*بين الحجر والبشر: أين تكمن بوصلة الدولة في مواجهة العواصف؟
خاص الانباط....
بقلم: نضال أنور المجالي
في خضم التحولات الاقتصادية الكبرى التي تعصف بالمنطقة، تبرز تساؤلات وجودية حول فلسفة الإنفاق الوطني وترتيب أولوياتنا: هل الأولوية لبناء الجدران الصامتة والكتل الخرسانية، أم لصناعة الفرص الضاربة في عمق التنمية؟ هل نسعى لتزيين المدن بالمباني، أم لتحصين كرامة المواطن وحماية مَن كانوا وما زالوا السياج الحصين لهذا الوطن؟
الإنسان أولاً: ترجمة "الإنسان أغلى ما نملك"
إن أي حراك تنموي لا يضع المواطن في مقدمة حساباته هو حراك منقوص، وهنا نستذكر ونستحضر الرؤية الهاشمية الخالدة التي أرساها الحسين الباني -طيب الله ثراه- وسار على نهجها جلالة الملك عبدالله الثاني، بأن "الإنسان أغلى ما نملك". هذه المقولة لم تكن يوماً مجرد شعار، بل هي دستور عمل يفرض علينا أن نوجه كل مورد، وكل جهد، وكل حجر في البناء، لخدمة هذا الإنسان وتأمين كرامته. فالمباني قد تطول وتشمخ، لكنها تبقى بلا روح إذا لم يكن خلفها إنسانٌ عزيزٌ، مقتدرٌ، ومطمئنٌ على حاضره ومستقبله.
أولاً: معركة الفقر والبطالة.. الاستثمار في البشر
إن تشييد أطول المباني وأكثرها فخامة يفقد معناه إذا كانت تطل على طوابير من الشباب المتعطل عن العمل، أو أحياء ينهشها الفقر. إن مكافحة البطالة ليست بنداً اقتصادياً عابراً، بل هي قضية "أمن قومي" بامتياز. الاستثمار في "الحجر" هو استثمار ساكن، بينما الاستثمار في "البشر" هو الاستثمار المتفجر بالإنتاجية والولاء والنمو. يجب أن تتجه البوصلة نحو قطاعات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا التي تستوعب طاقات الشباب وتحولهم من مستهلكين إلى منتجين.
ثانياً: التنمية الإنتاجية.. البديل عن "الرعاية"
البديل الحقيقي عن جيوب الفقر ليس "المعونات" المؤقتة، بل إيجاد مشاريع تنموية حقيقية في المحافظات والأطراف. التنمية المقصودة هي التي تخلق دورة اقتصادية محلية تعتمد على الميزة التنافسية لكل منطقة؛ فبناء مصنع أو مشروع زراعي في منطقة نائية أجدى وأطول أثراً من بناء ناطحة سحاب في قلب العاصمة المزدحم.
ثالثاً: المتقاعدون العسكريون.. الوفاء ليس تبرعاً
لا يمكن الحديث عن نهضة أو استقرار اجتماعي بينما "حماة الديار" من المتقاعدين العسكريين يواجهون ضغوطاً معيشية لا تتناسب مع حجم تضحياتهم. إن تحسين رواتب المتقاعدين العسكريين والارتقاء بمستوى معيشتهم ليس عبئاً على الميزانية، بل هو صمام أمان للنسيج الوطني وترجمة فعلية لقيم الوفاء. إن الجندي الذي أمضى عمره في الخنادق، لا ينبغي أن يقضي ما تبقى من عمره في ملاحقة أبسط متطلبات العيش؛ وتكريمه هو تكريم للعسكرية والقيم الوطنية التي نشأنا عليها.
ترتيب الأولويات
إن الدولة القوية هي التي توازن بين التحديث العمراني وبين صون كرامة المواطن. وفي مرحلة "عنق الزجاجة" التي نمر بها، يجب أن تكون الأولوية واضحة ومباشرة:
مشاريع التنمية الإنتاجية كحل جذري للفقر والبطالة.
دعم وحماية المتقاعدين العسكريين كاستحقاق وطني لا يقبل التأجيل.
المباني والمنشآت تأتي لاحقاً كتتويج لاقتصاد قوي، وليس كقناع لإخفاء أوجاع المجتمع.
إن الوطن لا يُبنى بالأسمنت وحده، بل بساعد شاب يجد عملاً، ومتقاعد يجد تقديراً، وإنسانٍ يلمس يقيناً أن الدولة تراه حقاً "أغلى ما تملك".
حفظ الله الاردن والهاشمين