ما يُقال قد يكون نصف الطريق… أما الحقيقة، فتبدأ مما لم يُقال


بقلم:
 الدكتورة إيمان الشمايلة

هناك همساتٌ تعبرنا كل يوم… لا تطرق الأبواب، بل تتسلل من الشقوق.
نسمعها، نلتقطها، وربما نُسكنها في داخلنا… دون أن ننتبه أننا فتحنا لها مكانًا.
ليست كل الأصوات صاخبة،
فبعضها يأتيك هادئًا حدَّ الطمأنينة… حتى تخلط بين الهدوء والصدق، وبين اللطف والحقيقة.
وهنا… تبدأ الحكاية التي لا تُروى.
تخيّل أنك تسير في طريقٍ تحفظه كما تحفظ ملامحك،
ثم يمرّ بك صوتٌ ناعم:
"الطريق من هنا…”
لا يحمل تهديدًا،
ولا يفرض نفسه،
بل يقدّم لك اليقين في هيئة راحة.
فتتبعه… ليس لأنك تحقّقت،
بل لأنك شعرت أن لا داعي للتحقّق. وهكذا، لا نضلّ دائمًا لأننا نجهل،
بل لأننا نطمئن بسرعة… أكثر مما ينبغي.
ليست كل الحكايات زائفة،
لكن أخطرها… تلك التي تكتمل في ظاهرها وتَنقص في جوهرها.
هناك دائمًا جزءٌ غائب،
جزءٌ لا يُقال… ليس لأنه غير موجود، بل لأنه لو قيل… لاختلف كل شيء.
كزاويةٍ محذوفة من لوحة،
ليست كبيرة… لكنها كافية لتبدّل المعنى، وتعيد تشكيل الرؤية كاملة.
الأمر ليس دعوةً للارتياب،
بل دعوةٌ لليقظة الهادئة…
أن تنظر مرةً أخرى،
لا بعين الشك… بل بعين العمق.
أن تسأل، لا لتُكذّب… بل لتفهم.
أن تترك في داخلك مساحةً صامتة تقول:
"ربما الحقيقة لم تكتمل بعد.”
العقل الناضج… لا يُسلّم مفاتيحه لأول صوت،
ولا يُغلق أبوابه خوفًا من كل فكرة.
بل يبقى كنافذةٍ مضيئة…
يدخل منها النور،
لكنها تعرف متى تُغلق في وجه العاصفة.
أحيانًا، ما يُقال لنا يشبه رسالةً ناقصة الأطراف،
نقرأها، نُفسّرها، ونبني عليها موقفًا كاملًا…
بينما الحقيقة، في مكانٍ أبعد، تنتظر من يقترب… لا من يكتفي.
"فلعل المخفي أعظم” ليست عبارةً عابرة،
بل مفتاحٌ لفهمٍ أعمق للحياة.
هي التي تُبطئ أحكامنا،
وتُهذّب يقيننا، وتجعلنا أقل اندفاعًا… وأكثر اتساعًا.
فليس كل ما يُلقى إليك يستحق أن يستقر فيك،
ولا كل فكرةٍ عابرة تستحق أن تتحول إلى قناعة.
احرس داخلك… فالعقل ليس ممرًا، بل موطن.
اختر ما تسمح له أن يسكنك… كما تختار ما يليق بروحك أن يبقى.
وربما… لن نُدرك كل الحقيقة، وهذا ليس عجزًا…
بل حكمة مخبأة.
لأن بعض الحقائق لا تُكشف دفعةً واحدة، بل تُمنح لمن يصبر على البحث، ويُحسن الإصغاء لما وراء الصوت.
فما خُفي… ليس دائمًا غائبًا،
بل قد يكون الحقيقة التي لم يحن وقتها بعد.