حين تتحول الدبلوماسية إلى عرضٍ مسرحي: من يقود العالم ... العقل أم المزاج؟


بقلم ملاك الكوري 

لم تعد الدبلوماسية كما كانت، ولم تعد لغة السياسة تلك التي تصاغ في الغرف المغلقة بميزان الدقة والاتزان .

 ما نشهده اليوم هو تحوّل لافت ، يكاد يخرج العلاقات الدولية من إطارها المؤسسي إلى فضاء مفتوح من التصريحات المرتجلة، وردود الأفعال المتسارعة حيث تختلط الحسابات الاستراتيجية بالنزعات الشخصية وتختزل القضايا الكبرى أحيانا في مواقف آنية لا تخلو من الاستعراض .

في هذا المشهد  يبرز قادة مثل دونالد ترامب وإيمانويل ماكرون كنماذج لمرحلة جديدة في العمل السياسي الغير مسؤول مرحلة تتداخل فيها الصورة مع القرار والخطاب الإعلامي مع الفعل الدبلوماسي.

 لم تعد الرسائل تمر عبر القنوات التقليدية وحدها بل أصبحت تبث مباشرة إلى الرأي العام  أحيانا دون تمهيد أو حساب لتداعياتها.

هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة العصر .. عصر السرعة والتأثير الفوري  والتواصل المباشر..

إلا أن الإشكالية تكمن حين تتحول هذه الأدوات إلى بديل عن الدبلوماسية لا مجرد وسيلة لها..
فحين يدار التوتر الدولي بتغريدة  أو يعاد تشكيل التحالفات بتصريح عابر فإننا نكون أمام خلل عميق في توازن القرار السياسي .

الأخطر من ذلك أن المصالح الاقتصادية التي يفترض أن تدار وفق رؤى طويلة الأمد  أصبحت في بعض الأحيان رهينة مزاج سياسي متقلب أو اعتبارات شعبوية آنية .

وهنا، لا تدفع النخب السياسية الثمن بل الشعوب التي تجد نفسها أمام قرارات تنعكس مباشرة على معيشتها واستقرارها ومستقبلها .

إن ما يبدو للوهلة الأولى "صراحة سياسية” أو "خروجاً عن النمط التقليدي”، قد يخفي في جوهره حالة من التسيّب الدبلوماسي، حيث تتراجع المؤسسات أمام الأفراد، وتضعف القواعد أمام ردود الأفعال .

 وفي عالم تتشابك فيه المصالح والملفات لا يمكن لمثل هذا النمط أن يستمر دون كلفة باهظة .

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: إلى أين تتجه الدبلوماسية؟ بل: من يضبط إيقاعها؟
هل ما زال هناك توازن بين المؤسسات والأفراد؟ بين الاستراتيجية والانفعال؟ أم أننا أمام مرحلة ت عاد فيها صياغة السياسة العالمية وفق منطق جديد اكثر فردية وأقل انضباطا؟ 

قد يكون من المبكر إصدار حكم نهائي  لكن المؤكد أن العالم يقف عند مفترق طرق حيث لم تعد الفوضى الدبلوماسية احتمالاً بعيداً بل واقعا يتشكل تدريجيا. و في ظل هذا التحول تبقى الشعوب هي الحلقة الأضعف  تدفع كلفة كل انزلاق وتتحمل تبعات كل قرار لم يحسب كما يجب.

وفي نهاية المطاف قد لا يكون التحدي الأكبر في هذه المرحلة هو اختلاف السياسات بل غياب القواعد التي تضبطها… لأن العالم مهما بلغ من قوة لا يمكن أن يدار إلى الأبد بمنطق المزاج .