إسرائيل أم إيران؟ إيران أم إسرائيل؟

مع وقع صافرات الإنذار والشاشات المليئة الأشرطة الحمراء التي تحمل أخبار القصف المتبادل بين إيران وإسرائيل ضمن الجولة الحالية من الحرب، تتداعى أصوات من كل حدب وصوب، فمن هذه الأصوات ما يحلل المعركة ومآلاتها بين إسقاط الدولة في إيران أو كسر الشوكة الغربية، أو حتى الخيار المجنون ببقاء الفوضى التي ستضرب منطقة الخليج في مقتل، وتولد زوابع من خلفها زوابع وزوابع.
   في هذا المقال، وبشكل مباشر، سأحاول الإسهام في وضع خطوط عريضة للاسترشاد بها عند أخذ موقف من الحرب، ولا يسعني أ،ن أسرد فوائد أخذ موقف ورأي من القضايا، فالحر لا يكون حرا والعقل لا يستطيع إتمام أدواره إن لم يكن قادرا على الانطلاق من المبادئ إلى تكوين مواقف؛ فالمقال هذا يرفض كليا دعوات الانطلاق من مبدأ اللا مبدأ، ولا يستسيغ الجلوس في جلسة "اللهم نفسي" فهذه الجلسة -من زاويتي على أقل تقدير- تساوي بين الإنسان والحيوان من حيث اقتصار الأدوار على البحث عن الطعام والشراب والتكاثر، عداك أصلا عن كوننا نقع في قلب الحرب، وتمس بدورها بطعامنا وشرابنا ومستقبلنا بكليته.
إيران وإسرائيل، من خير الشرين؟
تأسيسا لما هو لاحق أوضح مبدأي الكلي تجاه إيران، بوصفها قوة إقليمية منافسة للحيز العربي، أو على الحيز العربي في حالتنا، دون إهمال للقواسم المشتركة معها نظرا للمشتركات من أصول الدين والثقافة الشرقية، وهنا يمكنني أن أصطلح لإيران وصف "الصديق اللدود" أو "الخصم الودود" فإيران رغم ما ذكرته من حتمية الصدام معهعا لتداخل المصالح وتعقيد خيوطها، فلا يمكن لأحد إنكار كونها جسما طبيعيا متفاعلا مع مكونات المنطقة منذ آلاف السنين، وهذا الجسم يدرك حدوده الطبيعية ومكامن قوته وضعفه، كما يدرك خصوصية المنطقة وما له وما عليه فيها.
   لا يمكن لأحد أن ينفي وجود مشروع إيراني في المنطقة، وهذا طبيعي منطقي لأي دولة تمتلك فائض قوة قياسا على جيرانها، نعم.. إيران عندها مشروع يطمع في المنطقة، وتركيا أيضا، ولكل دولة قوية مشروع في منطقتها، وهنا لا أدعو لقبول هذه المشاريع، بل أبين صحتها من زاوية أصحابها، واللوم -إن كان هنالك لوم- فهو على غياب مشروع عربي حقيقي منافس للحفاظ على سلامة أراضيه على أقل تقدير؛ فالعرب منذ تقويض مشاريعهم تحولوا إلى مساحة للتنافس فوقها وعلى خيراتها، لا فواعل يطمحون للوحدة والتحرر والمنافسة، بل إن الطليعة المثقفة العربية -ولشديد الأسف- تشربت فكرة الانفصال لكيانات لإقليمية، وزاودت مرارا وتكرارا لضرورة الالتفات البراغماتي للمصالح، دعوات عند قراءتها تحسب أنك في دول عظمى تريد المزيد من الاستقرار، لا دولا ناميا يتخبطها الطامعون من كل حدب وصوب.
السؤال الدائم: كيف نقفز عن الخطر "العقدي" من إيران؟
يندر في عالم السياسة المعاصر أخذ الحسابات الدينية بوجهها النصوصي في معادلات القوى؛ فالعالم يدرك أن حروبه الطاحنة ومعاهداته غير المنتهية كلها تنبع من مصالحه وقوته دفعا وسلبا، إلا أن منطقتنا -ببركة قدر الاستعمار على معاملتنا كشعوب وقبائل قابلة للتسيير- كثيرا ما تخضع لمعادلة الدين، بل والمذهب الدقيق؛ وهذا وضع إيران دائما في مرمى النيران هذه، خصوصا بعد غرقها في الوحل السوري، فتدخلها لدعم النظام الحليف في سوريا -لإدراكها أن ما بعده توسع لإسرائيل، كما حدث- زاد صبغتها بكونها قوة شيعية "ِشريرة" تستهدف الدين رأسا.
   هذه الدعاية تجد استهلاكا عاليا عند الشعوب العربية نظرا لاحترافية تقديمها من مشايخ القصور وأرباب الإفتاء حسب الطلب، فمن السهل اليسير أن تجد طويل اللحية قصير الثوب يفتي لك بشرك الشيعي وكفره بينما يعطي الوجه الرحيم لليهود بوصفهم كتابيين من أهل الذمة (يغمض العين عن السيف في يدهم) وللأسف تنجح دعوات التفرقة والتأليب هذه دائما رغم عشرات الدعوات لرأب الصدع من عقلاء التسنن والتشيع، ولعل ما تلقاه الدعوات الأصولية التكفيرية هذه من رواج واحدة من أشد مهالك الأمة، فلا ضير عند التكفيري من رمي المسلم بالكفر، ورمي الأنظمة العربية وجيوشها ومشاريعها وأفكارها التحررية، لا صعوبة في هذا أبدا.
   وتثخينا في هذا الجرح نجحت الأدوات الثقافية للاستعمار في ترسيخه، فأعيد إحياء لفظات بادت وعفا عليها الزمن، فرايات بني أمية التي سقطت في عصرها وفقدت أي عامل للديمومة أو استحقاق للبقاء -عند السنة والشيعة- عادت للرفرفة في الفضاء الفكري العربي، ولماذا؟ -لتأصيل فكرة الاقتتال الداخلي بين المسلمين والنظر إليه كضرورة دائمة بين معسكرين، لا مجرد فتن عابرة توظيف لمصلحة الغزاة.
إسرائيل وإيران؛ وجوه التباين!
صرنا -للأسف- مضطرين لإعادة شرح أوجه للخطر الصهيوني، فبعد أن أصبح الكيان يدافع عنه أو يُتغاضى عن سلوكه -من باب وجهة النظر- أمسى معسكر التصهين الثقافي قادرا على شن هجمات هو، فتجد وجوه وأقلاما تعرض هذا الكيان كشريك مصلحة استراتيجي، وتتفانى لتقريب وجهات النظر معه بوصفه جسما حداثيا يمثل الغرب، بل "إبراهيميا" قابلا للتفاعل الديني معه، ولولا طشح هذه الدعاية على السطح ورواجها مؤخرا لرفضنا نقاشها؛ لما في هذا من غمر للأقدام في الوحل.
   إن موضع التباين الأعمق بين إسرائيل وإيران، أو إسرائيل والترك، الكرد، وغيرهم في المنطقة هو كون الكيان فاقد لأهلية الوجود الطبيعي في المنطقة، والناظر إليه بعين الحقيقة -حتى بالتجرد من تاريخ الصراع- سيجد اقتصاره على جماعات بشرية متعددة الأعراق وغازية مستحلة لأرض في حيز جغرافي منفصلة عنه بعيدة عنه ثقافيا ودينيا واقتصاديا، فلا وجه واحد للقسمة والتشارك مع مشيدي قلاعهم على  جماجم الشعب الأصلي، فنحن هنا في معرض مفاوضة قوة غاشمة تستند إلى نصوص تلمودية عنيفة متسللة من آلاف السنوات لتبني دولة احتلال في القرن العشرين وتبحث عن شرعية لها في الواحد والعشرين.
   أي شرعية هذه التي تراد لهذا الكيان المسخ وأيديه دائمة قطر الدماء، بل كيف يجرؤ عربي تتعرض بلده لموجات وموجات من التحقير والنظر كمساحة جغرافية قابلة للتوسع دون اعتبار لتاريخها وحق أهلها، كيف يجرؤ على الدعوة لإعادة النظر بالعلاقة مع هذا الكيان؟ بل كيف يستطيع فكريا ومنهجيا تفضيله ومقارنته بدول المنطقة الطبيعية؟!
   إن موازنة الدم الفلسطيني بالدم السوري فكرة مجنونة ولا تصلح لغير الاستهلاك العام، فالمقارنة هنا بين حرب أهلية قصيرة ومفتعلة ومدعومة موجهة من عدة دول مع كيان سفك الدماء لعشرات الأعوام، بل وأصل في معتقده لهذا السفك واستعباد الآخر "الغويم" بوصفه ضحية تقتل أو عبدا يؤمر، أي وجه لللمقارنة هذا؟!
   إن كنا نريد تحميل إيران الملف السوري فعلى كثيرين تحمله معها، تركيا، أمريكا، الكيان، روسيا والكثير الكثير من القوى التي ساهمت في تأجيج الملف السوري لتقاسم الكعكة بعد سقوط الدولة السورية، وهذا هو الواقع المعاش الذي لا يحتاج عدسات مكبرة.
خلاصة الخلاصة:
الدعوة عندي ليست دعوة للتخندق في المعسكر الإيراني، ولا دعوة تشجيع لهذا المشروع، بل هي صرخة في الضمير الجمعي المعمول على أن يفقد بوصلته بتناسي العدو المركزي، هذا المشروع الفكري النتن الذي إن نجح ستؤول المنطقة إلى كيانات صغيرة متناحرة تنتظر دورها على خشبة الذبح والاستعمار.
   أنت غير مطالب بالوقوف مع إيران، بل مطالب برفض فكرة الحياد الناعمة أو الاستكانة الشديدة، المطلوب منك هو أن تستطيع تحديد موضع قدميك بدقة، النظر بعين الحقيقة دون خجل ولا وجل، فالحق ناصع لا مراء  فيه وإن تراكم فوقه الذباب الموجه.

يزن عيد الحراحشة.