هل قدر العالم الحرب، أم هناك فرصة للسلام العالمي؟
هل قدر العالم الحرب، أم هناك فرصة للسلام العالمي؟
د. أيوب أبو دية
يبدو الحديث عن عالمٍ يتسابق في العمل الإنساني بدل سباق التسلّح، أو عن توسيع اطار الاتحاد الأوروبي ليغدو إطارًا عالميًا، أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع. لكن هذا الحلم ليس طارئًا؛ بل هو امتدادٌ لسلسلة طويلة من المحاولات الفكرية التي سعت إلى ترويض الصراع الإنساني وتحويله إلى تعاون.
فمنذ أن تخيّل أفلاطون في كتابه الجمهورية مدينةً فاضلة يحكمها العقل والفيلسوف العادل، كان السؤال مطروحًا: هل يمكن تنظيم البشر على أساس أخلاقي يتجاوز القوة والهيمنة والمصلحة الضيقة ونهب مقدرات الشعوب ومجهودهم العضلي والفكري لصالح المجتمع كله ؟
لاحقًا، ومع تطور العالم الحديث، ظهرت محاولات أكثر واقعية، وإن بدت بدورها مثالية. فقد سعى مفكرون مثل برنارد شو إلى دعم مشاريع توحيد اللغة، مثل لغة الإسبرانتو، إيمانًا بأن إزالة الحواجز اللغوية قد تفتح الباب لتقارب إنساني أعمق، حيث يصبح التفاهم بديلاً عن الصراع. كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها: فإذا فهم الناس بعضهم بعضًا، فاقتربت الثقافات وقلّت أسباب النزاع بينها، وأصبحت اللغة المشتركة وسيلة تواصل أسهل للعلماء لانتاج العلم لمصلحة البشرية جمعاء.
غير أن الطرح الأكثر عمقًا جاء مع الفيلسوف إيمانويل كانط في رسالته السلام الدائم عام 1795، حيث افترض أن تطور العقلانية لدى البشر سيقود حتمًا إلى تطور أخلاقي، ومن ثم إلى نظام عالمي يسوده السلام. لم يرَ كانط السلام مجرد هدنة بين الحروب، بل نتيجةً طبيعية لنضج العقل البشري، حين يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في التعاون لا التدمير. ومن هنا جاءت فكرة الأمم المتحدة.
اليوم، وبينما تتسارع سباقات التسلّح وتتضخم ميزانيات الدفاع، ويزداد الفقر في العالم، يبدو هذا الإرث الفكري وكأنه يقف على الضفة الأخرى من الواقع. ومع ذلك، فإن بوادره لا تزال قائمة في مؤسسات دولية، وفي مبادرات إنسانية عابرة للحدود، وفي محاولات توحيد المعايير والقيم. بل إن فكرة توسيع نماذج تكاملية مثل الاتحاد الأوروبي لتشمل العالم ليست مستحيلة من حيث المبدأ، لكنها تصطدم بتعقيدات الهوية والثقافة والسيادة والمصالح.
السؤال إذن ليس ما إذا كان هذا الحلم ساذجًا أو اشتراكي النزعة والابعاد، بل ما إذا كان بديله—عالم دائم الصراع—أكثر واقعية أو قابلية للاستمرار، خاصة في ظل التغيرات المناخية الحالية التي تهدد وجودنا بأي حال من الاحوال.
فالتاريخ يُظهر أن الأفكار التي بدت يومًا خيالية، من إلغاء العبودية إلى قيام اتحادات إقليمية، أصبحت لاحقًا حقائق. فمن تخيل أن ألمانيا قد تتوحد مع فرنسا؟
فالمسألة ليست حلما، بل ربما يكون التسابق في العمل الإنساني المشترك بدل تسابق التسلح هو المرحلة التالية في تطور البشرية، لان البديل هو دمار البشرية، فهل تقدّم