مكافآت المونديال وحقوق البث.. صراع الاتحادات مع الفيفا

من يملك مليارات كرة القدم؟

الأنباط – ميناس بني ياسين

تشهد كرة القدم العالمية في السنوات الأخيرة تصاعداً واضحاً في التوتر بين الاتحادات الوطنية والجهة المنظمة للعبة، FIFA حول كيفية توزيع العائدات المالية للبطولات الكبرى، وعلى رأسها FIFA World Cup 2026 هذا الجدل لم يعد مجرد نقاش إداري داخلي، بل تحوّل إلى صراع اقتصادي حقيقي في قلب صناعة رياضية أصبحت من أكبر الصناعات الإعلامية في العالم ومع تضخم الإيرادات الناتجة عن البث التلفزيوني والرعاية التجارية، بدأت العديد من الاتحادات الوطنية تتساءل عن عدالة النظام المالي المعتمد حالياً، خاصة في ظل الفجوة الكبيرة بين الأرباح التي تحققها البطولة والمكافآت التي تحصل عليها المنتخبات المشاركة.
ومن المتوقع أن تكون نسخة 2026 من كأس العالم الأكثر ربحية في تاريخ كرة القدم إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن الإيرادات الإجمالية للبطولة قد تتجاوز عشرة مليارات دولار بفضل التوسع الكبير في حجم المسابقة فهذه النسخة ستشهد لأول مرة مشاركة 48 منتخباً بدلاً من 32، كما سيرتفع عدد المباريات إلى أكثر من مئة مباراة، ما يعني زيادة كبيرة في قيمة الحقوق الإعلامية والإعلانات والرعاية التجارية وهذه العوامل مجتمعة تجعل البطولة حدثاً اقتصادياً ضخماً يتجاوز كونه مجرد منافسة رياضية، إذ بات يمثل سوقاً إعلامياً عالمياً تتحرك فيه شركات البث والإعلان والاستثمار بمليارات الدولارات.
ورغم هذا الارتفاع الكبير في العائدات فإن المكافآت التي سيحصل عليها المشاركون في البطولة لا تزال محور جدل واسع، فقد أقر مجلس FIFA جوائز مالية تبلغ نحو 655 مليون دولار توزع على المنتخبات المشاركة، على أن يحصل المنتخب الفائز بالبطولة على نحو 50 مليون دولار، بينما تتدرج الجوائز لبقية المنتخبات بحسب مراحل التقدم في البطولة، كما سيحصل كل منتخب مشارك على مبلغ أساسي يضمن تغطية جزء من تكاليف المشاركة والتحضير وعلى الرغم من أن هذه الجوائز تمثل زيادة ملحوظة مقارنة بمونديال 2022، فإن عدداً من الاتحادات الوطنية، خصوصاً في أوروبا، يرى أن هذه الزيادة لا تعكس القفزة الكبيرة في إيرادات البطولة.
هذا الاستياء يعود إلى عدة أسباب أولها أن الاتحادات ترى أن النسبة التي تحصل عليها المنتخبات من إجمالي إيرادات البطولة تبقى محدودة مقارنة بحجم الأرباح التي تحققها البطولة من حقوق البث والإعلانات، كما أن التكاليف المرتبطة بالمشاركة في البطولات الدولية ارتفعت بشكل واضح في السنوات الأخيرة، إذ تتحمل الاتحادات نفقات كبيرة تشمل معسكرات التحضير، والسفر الدولي، وإقامة الوفود الفنية والطبية، إضافة إلى تكاليف التنظيم والإدارة ومع توسع البطولة وزيادة عدد المباريات، ازدادت هذه الأعباء المالية، ما جعل بعض الاتحادات تطالب بحصة أكبر من عائدات البطولة لتعويض هذه التكاليف.
وفي هذا السياق دخل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم UEFA، في مفاوضات مع الفيفا لمراجعة نظام توزيع العائدات؛ فالاتحادات الأوروبية ترى أن الجزء الأكبر من نجوم كرة القدم العالمية يلعب في الدوريات الأوروبية، وأن هذه الدوريات والأندية تتحمل كلفة تطوير اللاعبين ورواتبهم، في حين تجني البطولات الدولية أرباحاً ضخمة من مشاركة هؤلاء النجوم لذلك تسعى بعض الاتحادات الأوروبية إلى زيادة المكافآت المخصصة للمنتخبات، وكذلك رفع التعويضات التي تحصل عليها الأندية مقابل مشاركة لاعبيها في البطولات الدولية.
غير أن فهم جذور هذا الصراع يتطلب النظر إلى العامل الاقتصادي الأكثر تأثيراً في كرة القدم الحديثة وهو حقوق البث التلفزيوني فمع تطور صناعة الإعلام الرياضي، أصبحت حقوق البث المصدر الرئيسي لإيرادات كرة القدم العالمية، إذ تمثل الجزء الأكبر من دخل البطولات الكبرى وتقوم الجهات المنظمة للبطولات، مثل FIFA أو UEFA، ببيع حقوق نقل المباريات إلى شركات إعلامية في مختلف مناطق العالم مقابل مبالغ ضخمة، وهذه الشركات بدورها تبث المباريات عبر القنوات التلفزيونية أو المنصات الرقمية، وتستعيد استثماراتها من خلال الاشتراكات والإعلانات.
وقد أصبحت سوق البث الرياضي العالمي تتركز في عدد محدود من الشركات الإعلامية الكبرى التي تملك القدرة المالية على دفع مليارات الدولارات مقابل حقوق النقل. ففي أوروبا والولايات المتحدة تلعب شبكات مثل Sky وESPN وFox دوراً رئيسياً في بث البطولات الكبرى، بينما تهيمن شبكات إقليمية على أسواق أخرى مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تمتلك شبكة beIN Media Group معظم حقوق البطولات الكبرى في المنطقة، هذه الشركات لا تشتري الحقوق فقط، بل تبني نماذج أعمال كاملة تعتمد على جذب المشتركين والمعلنين من خلال المحتوى الرياضي الحصري.
وفي السنوات الأخيرة دخل لاعبون جدد إلى هذا السوق وهم شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية فقد بدأت شركات مثل Amazon ومنصة DAZN الاستثمار بقوة في شراء حقوق البث الرياضي عبر الإنترنت، في محاولة للاستفادة من التحول العالمي نحو البث الرقمي وهذه الشركات ترى في الرياضة المباشرة المحتوى الأكثر قدرة على جذب المشتركين، خاصة في زمن تراجع مشاهدة التلفزيون التقليدي، لذلك أصبحت المنافسة على الحقوق الإعلامية أكثر شراسة، وهو ما أدى إلى ارتفاع قيمتها المالية بشكل غير مسبوق.
وفي ضوء هذه المعطيات يمكن فهم الصراع الحالي في كرة القدم العالمية على أنه صراع بين ثلاث قوى اقتصادية رئيسية، القوة الأولى هي الاتحادات الدولية التي تملك الحق القانوني في تنظيم البطولات وبيع حقوقها التجارية، القوة الثانية هي شركات الإعلام التي توفر التمويل الحقيقي للعبة من خلال شراء حقوق البث بمبالغ ضخمة أما القوة الثالثة فهي الأندية الكبرى التي تمتلك اللاعبين والنجوم الذين يجذبون الجمهور حول العالم وهذا التوازن المعقد يجعل كل طرف يسعى إلى تعزيز حصته من العائدات المالية، وهو ما يفسر النزاعات المتكررة حول توزيع الأرباح.
ومع اقتراب انطلاق مونديال 2026 يبدو أن هذا الجدل سيستمر وربما يتصاعد في السنوات المقبلة، فمع تضخم اقتصاد كرة القدم وتحولها إلى صناعة إعلامية عالمية تدر مليارات الدولارات، لم يعد الحديث يدور فقط حول نتائج المباريات أو البطولات، بل حول من يملك فعلياً اقتصاد اللعبة، وفي قلب هذا الاقتصاد تقف حقوق البث التلفزيوني التي أصبحت العمود الفقري لتمويل كرة القدم الحديثة، والسبب الرئيسي في الصراع المتزايد بين الاتحادات والأندية وشركات الإعلام على حد سواء.