80 سيناريو لتعديل الضمان: كيف تحاول الحكومة تجنب أزمة تقاعد مستقبلية؟
تعديلات الضمان الاجتماعي: سباق مع الزمن لتجنب عجز 2050
الانباط _فايز الشاقلدي
يشكّل الاجتماع الأول للجنة العمل النيابية مع الحكومة لمناقشة مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026 نقطة انطلاق سياسية وتشريعية مهمة في مسار واحد من أكثر القوانين حساسية وتأثيراً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للأردنيين. فالضمان الاجتماعي ليس مجرد مؤسسة مالية تدير الاشتراكات والتقاعد، بل هو أحد أعمدة منظومة الحماية الاجتماعية، وركيزة أساسية في العلاقة بين الدولة والمواطن، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والديموغرافية التي تواجه الأردن خلال العقود المقبلة.
الاجتماع الذي عقد الثلاثاء بحضور الوزراء المعنيين، كشف بوضوح أن النقاش الدائر حول التعديلات المقترحة يتجاوز مجرد تعديلات فنية، ليدخل في إطار إعادة صياغة فلسفة إدارة النظام التأميني وضمان استدامته المالية، دون المساس بحقوق المشتركين أو المتقاعدين، وهي معادلة معقدة لطالما شكّلت محور الجدل في كل مراجعة لقانون الضمان الاجتماعي.
من الدراسة الاكتوارية إلى التعديل التشريعي
وزير العمل ورئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي خالد البكار أوضح خلال الاجتماع أن التعديلات المقترحة استندت إلى الدراسة الاكتوارية التي تُجرى كل ثلاث سنوات، وهي الآلية العلمية التي تعتمدها معظم أنظمة التقاعد في العالم لتقييم الاستدامة المالية للصناديق التأمينية.
وبحسب ما عرضه البكار، فقد تعاملت الحكومة مع نحو 80 سيناريو مختلفاً عند إعداد مشروع القانون، وهو مؤشر على حجم التعقيد الذي يواجه نظام الضمان، وعلى محاولات الموازنة بين متغيرات متعددة تشمل التركيبة السكانية، وسوق العمل، ومتوسط العمر المتوقع، وعدد المشتركين مقارنة بعدد المتقاعدين.
الدراسات الاكتوارية عادة ما تحاكي المستقبل المالي للصندوق، بناء على افتراضات تتعلق بالنمو الاقتصادي، ونسب البطالة، ومستوى الأجور، إضافة إلى معدلات التقاعد المبكر والوجوبي. وعندما تشير هذه الدراسات إلى احتمالات عجز مستقبلي، فإن الحكومات تجد نفسها أمام خيارين: إما زيادة الاشتراكات أو تعديل شروط التقاعد، أو الجمع بين الأمرين بطريقة تدريجية.
وفي الحالة الأردنية، يبدو أن الحكومة اختارت المسار التدريجي، محاولة تجنب الصدمة الاجتماعية التي قد تنجم عن تغييرات مفاجئة في شروط التقاعد.
تحذير من سيناريو العجز
أحد أبرز ما كشفه الاجتماع هو التحذير الذي أطلقه وزير العمل من أن إبقاء الضمان الاجتماعي على وضعه الحالي قد يقود إلى عجز عن الإيفاء بالالتزامات بحلول عام 2050. هذه الرسالة تحمل بعداً استراتيجياً، إذ تسعى الحكومة من خلالها إلى تبرير الحاجة إلى التعديلات المقترحة، وإقناع الرأي العام بأن الإصلاح ليس خياراً سياسياً بقدر ما هو ضرورة مالية.
ووفق المعطيات التي قدمها البكار، فإن نقطة التعادل الأولى لصندوق الضمان ستحدث عام 2030، أي أن الإيرادات ستتساوى مع النفقات. وبعد ذلك، وفي الفترة بين 2030 و2035، سيتعرض الصندوق لعجز مالي يُقدّر بنحو 500 مليون دينار، سيجري تغطيته من العوائد الاستثمارية.
لكن ما يطمئن نسبياً، بحسب الطرح الحكومي، أن الصندوق سيعود إلى الاستقرار بعد عام 2035، وهو ما يعني أن التعديلات تهدف أساساً إلى تجاوز مرحلة الضغط المالي المؤقت ومنع تحولها إلى أزمة طويلة الأمد.
الرقم الأكثر دلالة في هذا السياق هو أن كل 4.8 مشتركين حالياً يمولون متقاعداً واحداً. هذا المؤشر يُستخدم عالمياً لقياس قوة أنظمة التقاعد؛ فكلما ارتفع عدد المشتركين مقارنة بالمتقاعدين كان النظام أكثر استدامة. لكن مع التغيرات الديموغرافية وارتفاع متوسط العمر، تتراجع هذه النسبة تدريجياً في معظم دول العالم.
التقاعد المبكر بين الضرورة الاقتصادية والواقع الاجتماعي
ملف التقاعد المبكر كان ولا يزال أحد أكثر القضايا إثارة للنقاش في الأردن. فمن جهة، ترى الحكومات المتعاقبة أن التوسع في التقاعد المبكر يثقل كاهل الصندوق ويؤثر في استدامته المالية. ومن جهة أخرى، يعتبر كثير من العاملين هذا الخيار صمام أمان في سوق عمل محدود الفرص، خصوصاً للعمال في المهن الشاقة أو للموظفين الذين يواجهون صعوبة في الاستمرار حتى سن التقاعد الوجوبي.
التعديلات المقترحة تسعى إلى إعادة ترتيب هذه العلاقة، بحيث يصبح التقاعد الوجوبي هو القاعدة، بينما يتحول التقاعد المبكر إلى استثناء. غير أن الحكومة حرصت على طمأنة المواطنين بأن أي حقوق قائمة حالياً لن تتأثر في المستقبل القريب.
فقد أكد رئيس الوزراء جعفر حسان أن الحكومة عدلت مسودة القانون بحيث لا يمس أي مستحق للتقاعد المبكر أو الوجوبي أو الاختياري خلال السنوات الأربع المقبلة. كما أن تطبيق التعديلات سيبدأ فعلياً عام 2030 بشكل تدريجي، ما يعني أن تأثيرها المباشر لن يظهر إلا بعد سنوات.
هذا النهج التدريجي يبدو محاولة واضحة لاحتواء المخاوف الشعبية، خصوصاً أن تجارب سابقة مع تعديلات الضمان كانت قد أثارت جدلاً واسعاً في الشارع.
جدول زمني طويل للتطبيق
أحد الجوانب اللافتة في مشروع القانون هو المدى الزمني الطويل لتطبيقه. فالتقاعد الوجوبي لن يطبق بشكله الكامل إلا بحلول عام 2040، أي بعد نحو 14 عاماً من إقرار القانون إذا أُقر هذا العام.
أما التقاعد المبكر والاختياري، فسيستمر تطبيقه بشكل تدريجي حتى عام 2047 للذكور و2041 للإناث. هذه الجداول الزمنية الطويلة تعكس إدراك الحكومة لحساسية الملف، ومحاولتها توزيع آثار الإصلاح على عدة أجيال من العاملين بدلاً من تحميلها لجيل واحد.
وفي الوقت ذاته، تم الإبقاء على فارق الخمس سنوات أو 60 اشتراكاً بين المرأة والرجل في التقاعد المبكر، وهو فارق قائم أيضاً في التقاعد الوجوبي. هذا القرار يشير إلى استمرار الاعتراف بالخصوصية الاجتماعية والاقتصادية لدور المرأة في سوق العمل والأسرة.
استقلالية الضمان وإعادة هيكلة الإدارة
من أبرز التحولات التي يقترحها مشروع القانون إعادة هيكلة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي لتعزيز استقلاليتها، بحيث يتم تعيين محافظ للمؤسسة بقرار من مجلس الوزراء مقترن بالإرادة الملكية، على غرار نموذج البنك المركزي.
هذا التوجه يعكس رغبة في إبعاد المؤسسة نسبياً عن التأثيرات الحكومية المباشرة، وتعزيز الحوكمة والشفافية في اتخاذ القرار. فعدم ترؤس وزير في الحكومة لمجلس إدارة المؤسسة قد يفتح المجال لقدر أكبر من الاستقلالية المؤسسية، وهو مطلب كان يطرحه خبراء الاقتصاد منذ سنوات.
كما أن هذا النموذج قد يسهم في تعزيز الثقة العامة بالمؤسسة، خصوصاً أن أموال الضمان تُعد من أكبر الصناديق الاستثمارية في الأردن، وتؤثر قراراتها في قطاعات اقتصادية متعددة.
توسيع مظلة الحماية الاجتماعية
إلى جانب التعديلات المتعلقة بالتقاعد، يهدف مشروع القانون إلى توسيع مظلة الحماية الاجتماعية من خلال شمول فئات جديدة بالنظام التأميني. هذه الخطوة تتماشى مع التوجهات العالمية التي تسعى إلى إدماج العاملين في الاقتصاد غير المنظم ضمن أنظمة الضمان الاجتماعي.
في الأردن، ما يزال جزء كبير من القوى العاملة خارج مظلة الضمان، خصوصاً في القطاعات الصغيرة أو الأعمال الحرة. توسيع الشمول التأميني لا يحقق فقط العدالة الاجتماعية، بل يسهم أيضاً في تعزيز الاستدامة المالية للصندوق من خلال زيادة عدد المشتركين.
البرلمان أمام اختبار التوازن
المرحلة المقبلة من النقاش داخل مجلس النواب ستحدد ملامح القانون النهائي، خصوصاً أن الحكومة أكدت استعدادها لمناقشة أي سيناريو تراه لجنة العمل النيابية مناسباً، وعرضه على الخبراء لدراسته.
هذا الانفتاح يعكس إدراكاً لأهمية التوافق السياسي والاجتماعي حول قانون الضمان، لأن أي تعديل لا يحظى بقبول واسع قد يواجه صعوبات في التطبيق أو يثير احتجاجات شعبية.
وفي العادة، تميل البرلمانات إلى تبني مواقف أكثر حساسية تجاه القضايا الاجتماعية مقارنة بالحكومات، ما يعني أن النقاش قد يشهد محاولات لتخفيف بعض الإجراءات أو تعديلها.
معادلة صعبة بين الحاضر والمستقبل
في النهاية، يعكس النقاش الدائر حول مشروع قانون الضمان الاجتماعي معادلة صعبة تواجهها معظم الدول: كيف يمكن الحفاظ على حقوق الجيل الحالي من المتقاعدين والمشتركين، وفي الوقت ذاته ضمان قدرة النظام على خدمة الأجيال القادمة.
فالضمان الاجتماعي بطبيعته نظام تضامني يعتمد على مساهمة العاملين الحاليين في تمويل رواتب المتقاعدين. ومع تغير التوازن الديموغرافي وتباطؤ نمو سوق العمل، يصبح الحفاظ على هذا التوازن تحدياً متزايداً.
لذلك، فإن الإصلاحات التدريجية التي تقترحها الحكومة قد تكون محاولة لتفادي إصلاحات أكثر قسوة في المستقبل. غير أن نجاحها سيعتمد في النهاية على عاملين أساسيين: أولاً، قدرة الاقتصاد الأردني على خلق فرص عمل جديدة تزيد عدد المشتركين في الضمان، وثانياً، إدارة استثمارات الصندوق بكفاءة تحقق عوائد مستقرة.
بداية نقاش طويل
الاجتماع الأول للجنة العمل النيابية مع الحكومة لا يمثل سوى بداية نقاش تشريعي قد يمتد لأسابيع وربما أشهر. وخلال هذه الفترة ستتبلور المواقف المختلفة للنواب والجهات النقابية والاقتصادية، كما سيزداد اهتمام الرأي العام بتفاصيل القانون.
لكن المؤكد أن أي تعديل لقانون الضمان الاجتماعي سيظل قضية وطنية بامتياز، لأنه يتعلق بأمن المواطنين الاقتصادي في مرحلة التقاعد، وبثقة المجتمع في قدرة الدولة على إدارة واحدة من أهم مؤسساتها الاجتماعية.
وفي هذا السياق، تبدو المهمة الأساسية أمام المشرعين هي الوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين متطلبات الاستدامة المالية وحماية الحقوق المكتسبة، بحيث يبقى الضمان الاجتماعي ركيزة أساسية للأمن الاجتماعي في الأردن لعقود مقبلة