الولايات المتحدة وإسرائيل: تحالف المصالح أم جدل النفوذ؟

د. خالد العاص

مع كل تصعيد أمني في الشرق الأوسط يتجدد الجدل حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وما إذا كانت واشنطن تتحرك في المنطقة انطلاقاً من مصالحها الاستراتيجية الخاصة أم أن سياساتها تتشكل بدرجة كبيرة تحت تأثير الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية. وغالباً ما يُطرح هذا السؤال في إطار ثنائي مبسط يفترض أن أحد الطرفين يقود والآخر يتبع، غير أن قراءة أكثر عمقاً لطبيعة العلاقات الدولية تكشف أن هذه المقاربة تختزل شبكة معقدة من المصالح والتوازنات التي تحكم العلاقة بين الدول.

تُعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من أكثر الشراكات الاستراتيجية رسوخاً في النظام الدولي المعاصر. فمنذ قيام إسرائيل عام 1948 تطورت هذه العلاقة تدريجياً، لكنها اكتسبت بعد حرب عام 1967 بعداً استراتيجياً أوضح، مع انتقالها من مستوى الدعم السياسي إلى التعاون الأمني والعسكري المؤسسي. ومع مرور الوقت أصبحت إسرائيل جزءاً مهماً من البنية الاستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، سواء من خلال التعاون الاستخباراتي، أو التفوق العسكري الذي يشكل أحد عناصر منظومة الردع الإقليمي التي تسعى واشنطن إلى ترسيخها في المنطقة.

ومع ذلك، فإن تفسير هذه العلاقة بوصفها مجرد تبعية أمريكية لإسرائيل يتجاهل طبيعة النظام السياسي الأمريكي وآليات صنع القرار فيه. فالولايات المتحدة قوة عظمى تمتلك منظومة مؤسساتية معقدة تشمل البيت الأبيض والكونغرس ووزارة الدفاع والأجهزة الاستخباراتية ومراكز التفكير الاستراتيجي. وفي مثل هذا النظام، تتشكل السياسات الخارجية عبر تفاعل اعتبارات متعددة تتعلق بالأمن القومي والاقتصاد والطاقة وتوازنات النظام الدولي، ما يجعل من الصعب اختزال القرارات الاستراتيجية في تأثير حليف واحد مهما بلغت أهميته.

في المقابل، لا يمكن إنكار أن لإسرائيل حضوراً مؤثراً داخل البيئة السياسية الأمريكية. فالعلاقة بين البلدين لا تقوم فقط على التحالف العسكري، بل تستند أيضاً إلى شبكة واسعة من الروابط السياسية والثقافية والاقتصادية، إضافة إلى دور جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في النقاش السياسي داخل الولايات المتحدة. غير أن هذا التأثير يبقى جزءاً من منظومة أوسع من المصالح تشمل أيضاً المؤسسة العسكرية الأمريكية وشركات الصناعات الدفاعية والاعتبارات الجيوسياسية المرتبطة بموقع الشرق الأوسط في النظام الدولي.

وقد كشفت التجربة التاريخية أن هذا التحالف لا يخلو من التباينات في التقدير الاستراتيجي، كما ظهر في الخلاف بين إدارة الرئيس باراك أوباما وحكومة بنيامين نتنياهو حول الاتفاق النووي مع إيران عام 2015. ويشير ذلك إلى أن التحالف الوثيق لا يعني تطابقاً كاملاً في الرؤى، بقدر ما يعكس تقاطعاً في المصالح.

من هذا المنظور، تبدو العلاقة بين واشنطن وتل أبيب أقرب إلى شراكة استراتيجية قائمة على توازن النفوذ وتلاقي المصالح، لا على منطق التبعية. فإسرائيل تمثل بالنسبة للولايات المتحدة حليفاً متقدماً في منطقة مضطربة، بينما يوفر الدعم الأمريكي لإسرائيل ضمانة أساسية لتفوقها الإقليمي. وبين هذين البعدين يستمر هذا التحالف بوصفه جزءاً من معادلة جيوسياسية أوسع تحكمها حسابات القوة والمصالح في الشرق الأوسط.