توازن القوى الهش: قراءة في قدرات الصمود الإيرانية وفرص الانهيار الداخلي
محسن الشوبكي
دخلت المواجهة العسكرية الجارية مرحلة تتسم بالسيولة العالية وغموض المآلات، حيث يواجه العالم قراءتين متناقضتين للمشهد الميداني. فمن جهة، أثبتت الوقائع أن الطرف الإيراني نجح في إعادة بناء منظومته العسكرية والسيبرانية واللوجستية بدعم تقني سري من قوى دولية، مما سمح له باستيعاب الضربات والرد على مفاصل الطاقة والبعثات الدبلوماسية، وهو ما أكده الرئيس ترامب مؤخراً بتوعده بالرد على استهداف السفارة الأمريكية بالرياض ومقتل جنود أمريكيين.
وهنا تبرز الحقيقة الاستراتيجية الأهم: لقد سقطت الولايات المتحدة وإسرائيل في فخ "الفشل الاستخباري والأمني" تجاه إيران. فقد بنيت خطط الهجوم على تقديرات غير واقعية افترضت أن "قطع الرأس" واغتيال القيادة سيؤدي لشلل فوري في قدرات الرد. إلا أن الواقع أثبت أن المخابرات الغربية فشلت في رصد "الترميم الصامت" للقدرات الإيرانية الذي تم في عام 2025، مما جعل بنك الأهداف الأمريكي-الإسرائيلي يفتقر للدقة، وأدى لنتائج صعبة تجلت في قدرة إيران على نقل المعركة إلى العمق الإقليمي واستهداف المصالح الأمريكية المباشرة.
ومع ذلك، يظل هذا الصمود مرتبطاً بمدى القدرة على الاستمرارية؛ فالاختراق الاستخباري الذي أدى للوصول للقيادة العليا يعكس فجوات أمنية كبيرة داخل النظام، وهو ما يجعل كافة الاحتمالات مفتوحة. فبقدر ما أظهر النظام قدرة على "الترميم"، إلا أن استمرار الضغط قد يكشف عن تصدعات أعمق نتيجة هذا الاختراق.
ويبدو واضحاً أن الرهان الحالي لواشنطن وتل أبيب، بعد فشل توقعات الانهيار العسكري الخاطف، قد انتقل ليكون رهاناً على "انهيار النظام من الداخل" بضغط شعبي، دون الحاجة لبذل جهد عسكري أكبر كالدخول البري الواسع. فالحذر في الاندفاع البري يعكس رغبة في ترك الساحة لتفاعلات "الداخل الإيراني" المنكشف أمنياً واقتصادياً.
الخلاصة:
نحن أمام مشهد لا يقبل الجزم؛ فالحقائق تعكس صراعاً بين "قدرة على الترميم مدعومة دولياً" و"اختراق استخباري ينخر في الداخل". المخرج النهائي يعتمد على من يسبق الآخر: هل تنجح إيران في تحصين جبهتها واستكمال استنزاف الخصم كما يحدث الآن، أم يسبقها رهان الانهيار الداخلي لينهي المواجهة بشكل مفاجئ خلال الأيام القليلة القادمة؟ الأيام القادمة هي وحدها الكفيلة بتحديد ما إذا كنا أمام "صمود مستدام" أو "انهيار متسارع".