مرآة الشاشة: بين فخاخ الرومانسية المسمومة وأزمات الاقتباس في الدراما
تمر الصناعة الدرامية والسينمائية اليوم بمرحلة دقيقة من المساءلة النقدية، حيث لم يعد الجمهور يتقبل ما يُعرض عليه دون تمحيص، سواء في الأعمال العربية التي وقعت في فخ التقليد أو الإنتاجات العالمية التي جملت المفاهيم الخاطئة. فبينما يبرزمسلسل بطل العالم كنموذج للعمل الذي واجه انتقادات بسبب ضعف المنطق الدرامي رغم طموحه، نجد مسلسلات أخرى مثل "نجيب زاهي زركش" تدخل دائرة الجدل بسبب اقتباسها من نصوص أجنبية دون إشارة واضحة. وفي موازاة ذلك، تُصدر الشاشة الكبيرة لنا مجموعةافلام رومانسية تُخفي خلف ستار العاطفة علاقات مسمومة ومؤذية، كما نرى في تشريح علاقة فيلم "الجميلة والوحش" أو فيلم "365 يوماً" الذي أثار استياءً واسعاً لتصويره العنف بشكل رومانسي.
أزمة الهوية في الدراما المصرية: اقتباس أم سطو؟
تواجه الدراما الرمضانية وما بعدها تحدياً أخلاقياً وفنياً يتمثل في "الاقتباس" غير المعلن. لم يعد الأمر مجرد استلهام لروح النص، بل وصل إلى استنساخ كادرات التصوير والديكورات من أعمال أجنبية وأيقونات السينما المصرية القديمة، مما دفع النقاد لوصف المشهد بـ "السطو المشروع" أو "الفهلوة" الدرامية.
ملوك الجدعنة وموسى
اعتبر الكثيرون مسلسل "ملوك الجدعنة" مجرد إعادة تدوير لفيلم "سلام يا صاحبي"، وكأن الواقع المصري قد نضب من القصص الجديدة لدرجة استدراج شخصيات وتفاصيل من أعمال قديمة بالكامل. ولم يسلم مسلسل "موسى" من الملاحظات، حيث استعار خطوطه من قصص تراثية مثل "شفيقة ومتولي" و"أدهم الشرقاوي"، وهو نوع من الاقتباس يراه النقاد مقبولاً لكونه يعيد إحياء الفلكلور، شريطة التوظيف الجيد والاعتراف بالمصدر.
كوفيد-25 والجدل العالمي
أما مسلسل "كوفيد-25"، فقد نال نصيب الأسد من الانتقاد، حيث رصد رواد التواصل الاجتماعي مشاهد وكادرات منقولة بتفاصيلها من أفلام عالمية مثل "Bird Box" و"World War Z". يرى النقاد أن هذا النوع من النقل يضع صُناع العمل في حرج أمام جمهور أصبح يمتلك أدوات المقارنة بضغطة زر، مما يضعف مصداقية العمل مهما بلغت جودة تمثيله.
فخ الرومانسية: حين تروج السينما للبؤس
خلف الستار المخملي للحب، توجد قائمة طويلة من العلاقات التي صدرتها هوليوود كقصص حب عظيمة، بينما هي في الواقع تشريح دقيق لعلاقات بائسة ومدمرة.
-
الجميلة والوحش (Beauty and the Beast):الكلاسيكية التي علمت الأطفال أن الحب يعني البقاء مع "آسر" عنيف حتى يتغير من أجلهم، وهي شرعنة واضحة للعلاقات السامة.
-
غريس (Grease):تنتهي القصة بتخلي البطلة عن هويتها ومبادئها لتتحول إلى صورة ترضي ذوق حبيبها، وهي رسالة تربوية كارثية عن فقدان الذات.
-
الركاب (Passengers):بطل يستيقظ من سباته في سفينة فضائية فيقرر إيقاظ البطلة لتقضي حياتها وحيدة معه، محطماً مستقبلها من أجل "ونسته الشخصية"، في جريمة أخلاقية غُلفت بموسيقى رومانسية.
-
الفتاة المفقودة (Gone Girl):حيث يتحول الزواج إلى حرب استنزاف وانتقام وتلاعب نفسي دموي، مما يعكس الجانب المظلم للرغبة والسيطرة.
أفلام عالمية في مرمى النيران النقدية
لم تكن الانتقادات حكراً على الدراما العربية، بل طالت أفلاماً عالمية كبرى سقطت في فخ التكرار أو سوء التنفيذ:
1. جزيرة الخيالات (Fantasy Island)
حاول الفيلم إعادة تقديم المسلسل التلفزيوني الشهير، لكنه فشل في أن يكون مرعباً بما يكفي لمحبي الرعب أو مقنعاً لمعجبي المسلسل الأصلي. انتهى به الأمر ككوميديا غير مقصودة بسيناريو مهلهل نال تقييمات سلبية للغاية.
2. دوليتل (Dolittle)
رغم النجومية الكبيرة، عانى الفيلم من "إعادة التصوير" المتكررة وضعف السيناريو، مما أنتج قصة مملة خالية من التشويق، واعتبره النقاد نسخة غير ضرورية ومخيبة للآمال مقارنة بالعمل الأصلي الصادر عام 1967.
3. 365 يوماً (365 Days)
يعد هذا الفيلم من أسوأ الأفلام تقييماً (0% على Rotten Tomatoes)، ليس فقط لضعف مستواه الفني، بل لأنه قدم "الاختطاف والاغتصاب" في صورة رومانسية حالمة، وهو ما اعتُبر ترويجاً خطيراً للعنف ضد المرأة.
4. الضغينة (The Grudge)
نُقد الفيلم كنسخة غير ضرورية في سلسلة أفلام استُهلكت فكرتها. اعتمد المخرج على "قفزات التخويف" التقليدية التي لم تعد تثير رعب الجمهور المعاصر، مما جعله في قائمة الإخفاقات لهذا العام.
انهيار المنطق: أزمة مسلسل بطل العالم
عند الحديث عن الإخفاقات، يبرز مسلسل "بطل العالم" كمشروع امتلك مقومات النجاح لكنه لم يستثمرها. بدأ العمل برؤية صادقة عن رحلة صعود شاب من القاع، لكنه سقط في "انهيار المنطق الدرامي". فالحبكة التي بنيت على مطالبة فتاة بـ 50 مليون جنيه كديون عن أب نبذها منذ طفولتها تفتقد لأبسط قواعد الواقعية.
كما أن العمل ابتعد عن جوهره الرياضي، ليتحول البطل "صلاح" من مشروع ملاكم عالمي إلى "بودي جارد" في مطاردات رتيبة فوق الأسطح وفي الملاهي الليلية. هذا التشتت بين "الحلم الرياضي" و"الانكسار الاجتماعي" جعل الإيقاع بطيئاً ومحيراً للمشاهد، مما أضاع فرصة ذهبية لتقديم دراما إنسانية عميقة.
في ختام الأمر
إن الدراما والسينما اليوم تواجهان جمهوراً ذكياً لا يقبل "الفهلوة" أو التلاعب بالعقول. سواء كان الأمر يتعلق بمسلسلات مصرية تعاني من حمى الاقتباس، أو أفلام عالمية تروج لنماذج عاطفية مشوهة، فإن الأصالة تظل هي المعيار الوحيد للبقاء. إن الفن الحقيقي هو الذي يحترم وعي المتلقي ويقدم له قصصاً نابعة من واقع حقيقي، بعيداً عن الاستنساخ الباهت أو الرومانسية المسمومة التي لا تورث إلا الخلل النفسي والاجتماعي.
هل تعتقد أن الصراحة في الاعتراف بالاقتباس كفيلة بإنقاذ العمل الفني من النقد اللاذع؟