العراق والعودة إلى الحضن العربي صراع يطال الوطن والشخوص
سارة طالب السهيل
العراق، بلد الرافدين، الذي طالما كان منارة للحضارة والتاريخ، يعيش اليوم حالة من التمزق بين تيارات متعددة، كل منها يسحب البلاد في اتجاه يخدم أجندته الخاصة. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه اليوم: هل يعود العراق إلى حضنه العربي الطبيعي؟ وهل يستطيع أن يتجاوز خلافاته الداخلية ليلتحم بأشقائه العرب من المحيط إلى الخليج؟
العراق ليس كغيره من الدول العربية، فهو بلد التعددية بامتياز. شيعة وسنة، كرد وعرب، تركمان ومسيحيون، صابئة وإيزيديون، كل هذه المكونات تشكل نسيجاً معقداً لا يمكن اختزاله في رؤية واحدة أو جهة سياسية منفردة. هذه التعددية، التي يفترض أن تكون مصدر قوة وغنى، تحولت في كثير من الأحيان إلى سبب للانقسام والصراع.
فالعراق اليوم يعيش تحت وطأة صراع القادة والأحزاب، كل يشد البساط إلى جهته، متناسين أن الوطن أكبر من كل الأحزاب، وأبقى من كل القادة. هذا التشرذم السياسي انعكس بالضرورة على الموقف من العلاقات العربية، فظهر تيار يدعو إلى الانفتاح العربي والالتحام بالأشقاء، وتيار آخر لا يرى في العروبة إلا عبئاً يفضل التخلص منه لصالح محاور إقليمية أخرى.
من يعيق العودة العربية؟
من يتابع المشهد العراقي من كثب، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، يلاحظ ظاهرة غريبة: هناك حملات منظمة تستهدف أي محاولة للتقارب مع الدول العربية، خاصة دول الخليج الجارة. ليس فقط لاستهداف الأخطاء، بل حتى للمبادرات الطيبة، كإكرام ضيوف عرب أو تبادل الزيارات الرسمية.
اللافت أن رفض العودة العربية لا يقتصر على مكون عراقي واحد. فمن خلال متابعتي وتحليلي للخطاب الإلكتروني، وجدت أن رفض الانفتاح العربي يمتد ليشمل قطاعات من المكون السني أيضاً، وليس فقط الشيعي كما يروج البعض. هذا الرفض المشترك من أطراف متعددة يثير التساؤل: ما السبب الحقيقي؟
ربما يعود ذلك إلى أن البعض لا يريد النجاح للعملية السياسية، ويستخدم هذا الرفض لتسقيط الحكومة، فمن لا يريد للعراق أن يقف شامخاً مستنداً إلى أشقائه العرب، لأن إسقاط الحكم العراقي يمر أولاً عبر إدخاله في نزاعات مع من يمكن أن يساندوه. إنها سياسة "فرق تسد" التي تمارس بوعي أو بغير وعي من قبل البعض، الذين يجدون مصلحتهم في عزل العراق عن محيطه الطبيعي. فهو بالتالي رفض إعطاء القوة والشرعية للعراق بين محيطه.
أسرى الماضي: عبء الخمسة والعشرين عاماً
هناك أيضاً من يؤمن إيماناً مطلقاً بالنظام السابق، الذي حكم العراق قبل أكثر من ربع قرن، ولا يقبل بغيره مهما كانت نتائجه. هؤلاء تجدهم في صف المعارضة لأي خطوة تقوم بها الحكومة الحالية، سواء كانت على صواب أم على خطأ. أنهم أسرى الماضي، يعيشون في شرنقة ذكرياتهم، غير قادرين على التكيف مع متغيرات الحاضر، ولا يريدون للعراق أن يبني مستقبله بعيداً عن تلك الحقبة.
كما أن هناك من يعارض فقط من باب (بيت الأخوات)
ما يحدث في الساحة العربية يذكرني ب "بيت الأخوات السيدات". نعم، المشهد العربي يشبه إلى حد كبير بيتاً تسكنه أخوات كثيرات، كلما اقتربت اثنتان منهما، تأتي الثالثة لتفرق بينهما، بدافع الغيرة، أو المصالح الضيقة، أو الكراهية المسبقة.
حين تكون هناك أكثر من أخت في بيت واحد، فكلما اقتربت اثنتان معاً جاءت الثالثة لتفرق بينهما، إما غيرة أو لمصالح تخصها أو بسبب كرهها لإحدى الأختين المتحالفتين.
هذه الاستعارة مؤلمة في دقتها، فالعلاقات العربية أشبه بعلاقات معقدة داخل عائلة كبيرة، تتداخل فيها المشاعر المتناقضة بين الحب والكراهية، التقارب والتباعد، التعاون والتنافس. وهذا ما يجعل بناء وحدة عربية حقيقية أمراً شديد الصعوبة بأجواء عائلية مريضة، رغم أن كل المؤشرات الموضوعية تؤكد أن مستقبل العرب في وحدتهم لا في تفرقهم.
قيادة القطيع بلا وعي
في زمن التواصل الاجتماعي، أصبح الرأي العام العربي فريسة سهلة لما يمكن تسميته "الذباب الإلكتروني"، تلك الحسابات الوهمية والموجهة التي تطلق سمومها هنا وهناك، فيجد الناس أنفسهم منقادين خلفها كالقطيع، دون تمحيص أو تدقيق، دون وعي أو إدراك للعواقب. ناهيك عن الممولين والمأجورين والتابعين لدول وأجهزة وأشخاص وأحزاب كريمة اليد تغدق الأموال عليهم، وتشتري ذممهم متناسين أن
(ما يلفظ من قول إلا عليه رقيب عتيد)
هذه الآلة الإعلامية الجديدة استطاعت أن تعبث بالوعي الجمعي، وأن تكرس أنماطاً من التفكير العدائي والكراهية المسبقة تجاه الآخر العربي، حتى لو كان هذا الآخر هو الشقيق الأقرب. أو تستخدم على أبناء الوطن أنفسهم .
الحقد الطبقي والغيرة من المتميزين-
وهنا نصل إلى نقطة مؤلمة أخرى: كون أحد تخصصاتي ماجيستير في علم النفس، فأقرأ النفس البشرية بوضوح مما يجعلني أحيانا أكثر حزنا وأحيانا أخرى أكثر راحة بال
أعرف أن هناك من يفرح لسقوط أي شخص متميز أو ناجح، أكثر مما يسعى لأن يكون ناجحاً مثله. هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة، التي تفسرها نظريات علم النفس الاجتماعي بـ"الحقد الطبقي" أو "الغيرة الاجتماعية"، تجد في المشهد العربي أو العراقي أرضاً خصبة للانتشار.
فعندما ينجح مسؤول عراقي في فتح صفحة جديدة مع دولة عربية شقيقة، نجد من يتصيد له الأخطاء، بل أحياناً يصنع أخطاء لم يرتكبها، فقط لأنه نجح حيث فشل الآخرون، أو فقط لأنهم لا يريدون للعراق أن ينجح في علاقاته الخارجية.
إلى متى يا بلاد العرب؟
هذا هو السؤال المصيري: إلى متى يبقى العرب أسرى هذه الصراعات الصغيرة؟ إلى متى تبقى العلاقات العربية رهينة لأهواء القادة وصغار السياسيين وحملات التضليل الإعلامي؟
العراق، هذا البلد العريق، يستحق أكثر مما يحدث له. يستحق أن يعود إلى حضن أخوته العرب ليس ضعيفاً مهزوماً، بل شامخاً قوياً، معتزاً بهويته العربية مع احترامه لتعدد مكوناته. يستحق أن يتحرر من عبء الماضي وأسر الذكريات، لينطلق نحو مستقبل يبني فيه مع أشقائه العرب صرحاً حضارياً يليق بتاريخ هذه الأمة.
متى نجد الوعي لدى الناس؟ متى يدرك العراقيون والعرب عموماً أن مستقبلهم مرتبط بعضهم ببعض؟ متى نكف عن خلط الأشخاص بالأمور، وتحميل أي تقارب عربي أكثر مما يحتمل من تأويلات وأجندات؟
إن عودة العراق إلى الحضن العربي ليست ترفاً فكرياً أو خياراً سياسياً من بين خيارات، إنها ضرورة وجودية للعراق وللعرب جميعاً. فالعراق من دون عمقه العربي يضيع، والعرب من دون العراق يفقدون قلعة من أعتى قلاعهم الحضارية.
لقد آن الأوان لأن يتحرر العراقيون، سنة وشيعة، عرباً وكرداً، من أوهام الماضي ومصالح الحاضر الضيقة، وأن ينظروا إلى مستقبلهم بعيون مفتوحة على العالم، وفي مقدمته العالم العربي الشقيق. آن الأوان لأن نترك "بيت النسوان" بغيرته ونزاعاته، ونبني معاً بيتاً عربياً موحداً، يتسع للجميع، ويحترم خصوصية كل مكون، ويعمل معاً من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
فهل يعي العراقيون والعرب هذه الحقيقة قبل فوات الأوان؟ العراق جغرافيًا في قلب المنطقة، وتاريخيًا أحد أعمدة الحضارة العربية والإسلامية. بغداد كانت يومًا عاصمة الدنيا، والكوفة والبصرة والموصل مراكز علم وثقافة. لا يمكن اقتلاع هذا الإرث من هوية البلاد، كما لا يمكن تجاهل واقع التنوع الداخلي والارتباطات الإقليمية المعقدة.
الانتماء العربي لا يعني العداء لأحد، كما أن الانفتاح على الجوار لا يعني القطيعة مع العمق العربي. الدولة الرشيدة هي التي تنسج علاقاتها وفق مصلحتها الوطنية أولًا، وتبني توازناتها بعقل بارد لا بعاطفة ملتهبة.
السؤال الحقيقي ليس: متى يعود العراق إلى الحضن العربي؟
بل: متى يقتنع العراقيون – بكل أطيافهم – أن قوة العراق في توازنه، وفي وعي شعبه، وفي قدرته على التمييز بين النقد البنّاء والهدم المجاني؟
متى نتوقف عن خلط الأشخاص بالقضايا؟
متى ندرك أن إسقاط المسؤول لا يجب أن يعني إسقاط الدولة؟ وإسقاط الناجح لا يعني أنك أصبحت ناجحا مثله
متى نفهم أن النجاح العربي المشترك لا ينتقص من سيادة أحد، بل يعززها؟
إن الذباب الإلكتروني لن يقود أمة واعية، لكنه ينجح حين يجد بيئة مشحونة، وعقولًا مستعدة لتصديق كل ما يؤكد غضبها. أما حين يصبح الوعي الشعبي هو خط الدفاع الأول، فإن حملات التشويه تفقد مفعولها.
عودة العراق إلى حضنه العربي ليس قرارًا فوقيًا يصدر في بيان، بل مسارًا طويلًا من بناء الثقة، داخليًا وخارجيًا. تبدأ بإصلاح البيت من الداخل، بتعزيز المواطنة فوق الطائفية، وبترسيخ مبدأ أن العراق أكبر من حزب وأبقى من حكومة وأعمق من مرحلة.
ثم تمتد إلى الخارج عبر شراكات اقتصادية حقيقية، ومشاريع تنموية مشتركة، وتكامل في الطاقة والاستثمار والتعليم والثقافة. حين يرى المواطن ثمار التقارب في حياته اليومية – وظيفة، استقرار، أفق – سيتحول الانتماء من شعار إلى مصلحة ملموسة.
إلى متى يبقى العرب أسرى نزاعاتهم؟
وإلى متى يُقاد بعض الناس خلف أصوات مرتفعة دون تمحيص؟
وإلى متى نفرح بسقوط الناجحين بدل أن نسعى لنكون مثلهم؟
العراق لا يحتاج وصاية، بل يحتاج وعيًا.
ولا يحتاج شعارات صاخبة، بل يحتاج مشروعًا وطنيًا عربيًا عقلانيًا.
وحين يعلو صوت العقل على الضجيج، وحين يختار العراقيون – بكل تنوعهم – مصلحة وطنهم فوق كل اعتبار، سيعود العراق إلى حضنه العربي لا كطرفٍ ضعيف يبحث عن حماية، بل كأخٍ قويٍّ يمد يده بثقة، ويستقبل بالأخرى يد أشقائه
سارة طالب السهيل