الاختطاف الرقمي وهندسة السلوك: هل يتحول القرار الحكومي إلى تشريع يحمي أطفالنا؟

عماد عبدالقادر عمرو

في ضوء موافقة الحكومة، خلال جلستها التي عُقدت في محافظة الكرك، على تشكيل لجنة وطنية لحماية الأطفال واليافعين من المخاطر المرتبطة باستخدام منصات التواصل الاجتماعي والإنترنت، يبرز سؤال جوهري يتجاوز حدود القرار ذاته:
هل نحن أمام بداية مسار تشريعي حقيقي، أم خطوة تنظيمية لن تكتمل أدواتها التنفيذية؟

تشير البيانات الرسمية إلى أن أكثر من 92% من الأردنيين متصلون بالإنترنت، وأن حوالي 6.8 مليون شخص يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي بنشاط في المملكة. كما تمتلك نحو 97.5% من الأسر الأردنية هواتف ذكية، ويصل انتشار الإنترنت المنزلي إلى أكثر من 95% من المنازل. هذه الأرقام تؤكد أن البيئة الرقمية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياة الأطفال والمراهقين، مما يجعلهم معرضين بشكل يومي لمحتوى مصمم لإطالة التفاعل معهم.

الاختطاف الرقمي وهندسة السلوك

الاختطاف الرقمي لا يعني مجرد استخدام زائد للإنترنت، بل استحواذ متعمد على وقت ووعي الطفل عبر خوارزميات مصممة لتعظيم التفاعل. الإشعارات، المقاطع القصيرة، وأدوات المكافآت الوهمية (الإعجابات والمشاهدات) تعمل على تفعيل نظام الدوبامين في الدماغ، مما يجعل الطفل أو المراهق مرتبطًا بالمحتوى دون وعي كامل.
هنا تكمن خطورة هندسة السلوك: الطفل لا يختار المحتوى بحرية، بل يُوجَّه تدريجيًا وفق نقاط ضعف معرفية ونفسية محددة، مع مخاطر طويلة المدى على التركيز، الأداء الدراسي، والعلاقات الأسرية.

اللجنة الوطنية: خطوة أولى… لكن ليست كافية

تشكيل اللجنة الوطنية خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه إطار تمهيدي. التجارب الدولية تشير إلى أن التوعية وحدها لا تكفي، وأن التشريع الواضح ضروري لضمان حماية فعالة. نجاح اللجنة سيُقاس بقدرتها على الانتقال من التشخيص إلى إصدار قوانين قابلة للتطبيق، تشمل:
1.تحديد سن قانوني واضح لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي، مع إلزام المنصات بالتحقق من العمر.
2.أدوات حماية تلقائية لكل حساب خاص بالطفل، تشمل قيود زمنية وتصنيف المحتوى.
3.التربية الرقمية في المدارس، لتعليم الأطفال كيفية التمييز بين المحتوى المفيد والمحتوى الذي يستهدف اختطاف انتباههم.
4.جهة رقابية وطنية لمتابعة التزام الشركات الرقمية بالمعايير القانونية والأخلاقية، مع نظام عقوبات واضح عند المخالفة.

الأردن بين الواقع والحاجة…

مع هذا الانتشار الواسع للهواتف الذكية وشبكات التواصل، لم تعد حماية الأطفال مسألة اختيارية. غياب تشريع محدد يعني ترك الأطفال عرضة لتأثيرات سلوكية ونفسية قد تكون طويلة المدى، بينما تستمر المنصات في العمل وفق منطق الربح فقط.

الخلاصة:

حماية الأطفال من الاختطاف الرقمي وهندسة السلوك ليست خيارًا مؤجلًا، بل مسؤولية وطنية ملحة.
القرار الحكومي خطوة أولى، لكن النجاح الحقيقي سيُقاس بسرعة تحويل مخرجات اللجنة إلى تشريع واضح وفعال يحمي الطفولة الرقمية، ويجعل التكنولوجيا أداة تمكين للأطفال، لا وسيلة استحواذ على وعيهم.

رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً