سمير الحياري : حين تصبح الكلمة ضميرًا لا يُساوِم

الدكتور المحامي بركات النمر العبادي


في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وتَكاثَر فيه الضجيج وقلّ فيه المعنى، وتزاحمت فيه المنابر ، وباتت الكلمة في كثير من الأحيان سلعةً سريعة الاستهلاك،فالكلمة اليوم لم تعد محايدة ، إما أن تكون شاهدًا على الحقيقة ، أو شريكًا في تزييفه ، تبرز أسماء قليلة حافظت على المسافة الصعبة بين القرب من الناس والاستقلال عن الأهواء ، وبين الجرأة والحكمة ، من هذه الأسماء ، يبرزسمير الحياريبوصفه حالةً أردنيةً خاصة ، لا تُقاس بالضجيج ولا تُعرَّف بعدد المتابعين،بل بوصفه حالة إعلامية ناضجة تشكّلت عبر التجربة لا عبر الادعاءبتتُوازنهاو بثقل الرأي، وصدق الموقف، وعمق الانتماء.

الصحفي القديرسمير الحياريليس مجرد صاحب قلم متمكن ،بل هو شاهدٌ على الدولة ، وضميرٌ يقظ في لحظة عامة كثيرًا ما تغفو فيها الضمائر ،في كتابته شيءٌ من الفلسفة ، لا بوصفها تنظيرًا مجردًا، بل باعتبارها حكمةً عملية :يرى التفاصيل الصغيرة بوصفها مرايا للمعنى الكبير، ويقرأ الحدث لا كخبرٍ عابر، بل كعلامةٍ في مسار وطن.

حين أسس وأدارعمون الإخباري، لم يكن يضيف منصةً جديدة إلى فضاء الإعلام الأردني ، بل كان يؤسس لثقافةٍ صحفية مختلفة ؛ ثقافة ترى في الخبر مسؤولية ، وفي التحليل أمانة ، وفي النقد فعلَ إصلاح لا رغبةَ هدم ،عمون لم تكن صدىً لأحد ، ولا ظلًا لسلطة ، بل مساحةً للعقل العام ، تُخطئ أحيانًا ، لكنها لا تخون بوصلتها.

وفيإذاعة نون، يتجلى وجهٌ آخر لسمير الحياري ؛ وجه الإصغاء ، فالإذاعة عنده ليست صوتًا يعلو ، بل حوارًا ينفتح، هناك تُقال الكلمة بهدوء ، ويُستعاد معنى النقاش العام ، بعيدًا عن الصراخ والاستعراض ،كأن نون محاولةٌ لإعادة الاعتبار لفكرة أن الإعلام ليس منصة خطابة ، بل جسر ثقة بين الدولة والمجتمع.

ليس مبالغة القول، إن رأي سمير الحياري مسموع ومُقدَّر في أعلى دوائر القرار ، لا لأنه قريب من السلطة ، بل لأنه قريب من الحقيقة ،تُستشار كلمته لأنها لا تُجامل ، ويُصغى إليه لأنه لا يساوم على الوطن ،فهو يدرك ، بحسّ رجل الدولة غير المتقلد لمنصب، أن الأردن لا يُدار بالشعارات ،و لا من خلف منصات التواصل الاجتماعي، بل بالفهم العميق لتوازناته ، وبالصدق في تشخيص أزماته ، وبالحرص على استقراره دون إنكار حاجته الدائمة إلى الإصلاح.

سمير الحياري" رجلٌ رجل”، لا بالمعنى الذكوري السطحي ، بل بالمعنى الأخلاقي العميق: ثباتٌ عند الشدائد ، ووضوحٌ عند الالتباس ، ووفاءٌ لفكرة الأردن بوصفه دولة قانون ، لا مزاج ، ومؤسسات ، لا أفراد. قلمه لا يُبارى لأنه لا يتزيّن ، ولا يتعالى ، ولا يتخفّى خلف اللغة ؛ يكتب ببساطة الظاهر، وعمق الجوهر.

في حضوره الإعلامي ، كما في أثره العام ، يذكّرنا بأن الصحافة ليست مهنة فقط ، بل موقف. وأن الكلم، حين تُكتب بصدق ، تصبح جزءًا من الأمن المعنوي للدولة .وأن الأردن ، في حاجته الدائمة لأصوات عاقلة ، يجد في سمير الحياري واحدًا من أولئك الذين يقولون ما يجب ، لا ما يُطلب.

ذلك هو سمير الحياري : احد رجالات الاردن في القرن الواحد و العشرين ،الصحفيٌ حين يكتب، و فيلسوفٌ حين يُحلّل ، ورجل دولةٍ بالمعنى الأسمى ، حين يصمت أويتكلم.

في المحصلة الأخيرة ، لا تُقاس قيمة الرجال بما يقولونه فقط ، بل بما يمنعون أنفسهم عن قوله حين تصبح الكلمة خيانةً للمعنى ،هنا تحديدًا، يقفسمير الحياريفي منطقة نادرة ؛ منطقة الوعي الثقيل الذي يعرف أن الوطن لا يحتاج دائمًا إلى من يرفعه عاليًا في الخطاب ، بل إلى من يحمله بهدوء في الضمير..

فالكلمة ، حين تُكتب بصدق ، تتحول من رأي إلى مسؤولية ، ومن موقف إلى أثر، ومن نصٍّ عابر إلى جزء من هندسة الوعي العام ، وهي عند سمير الحياري ليست وسيلة حضور، بل اختبار أخلاقي دائم : هل تُنقذ الحقيقة أم تُزيّفها ؟ هل تُطمئن الدولة أم تُربكها ؟ هل تُنير الطريق أم تُضيف ظلالًا فوق ظلالها ؟

في زمن تتآكل فيه الحدود بين الجرأة والفوضى ، وبين النقد والعبث ، وبين الإعلام والضجيج ، يذكّرنا هذا النموذج( سمير الحياري) ن الحكمة ليست في رفع الصوت ، بل في ضبط النبرة ، وأن الشجاعة ليست في كسر كل شيء ، بل في معرفة ما يجب أن يبقى ،فالدولة ، في جوهرها، ليست مباني ولا قوانين فقط ، بل منظومة ثقة ، والكلمة الصادقة أحد أعمدتها غير المرئية.

هكذا ، لا يبدو سمير الحياري مجرد اعلامي ناجح ، بل علامة على معنى أعمق : أن بعض الأقلام لا تكتب عن الوطن ، بل تكتبمن داخله؛ من قلقه ، ومن أمله ، ومن خوفه النبيل على مستقبله ، وعندما تبلغ الكلمة هذه المرتبة ، لا تعود رأيًا يُناقَش فقط ، بل ضميرًا يُحتكم إليه.ليس السؤال الحقيقي:ماذا كتب سمير الحياري؟
بل:كيف حافظ على قداسة الكلمة وسط عالمٍ يفرغها من معناها؟

لقد اختار الحياري أن يقف في منطقة وعي ثقيل ، يدرك فيها أن الصمت في بعض المواقف أبلغ من الخطابة ، وأن الكلمة الصادقة ليست وسيلة حضور بلاختبار أخلاقي دائم:
هل تُنقذ الحقيقة أم تُزيّفها؟
هل تُطمئن الدولة أم تُربكها؟
هل تُضيء الطريق أم تُضيف ظلالًا جديدة؟

هكذا، لم يعود الحياري صوتًا في الإعلام فقط ، بلضميرًا عامًّافي لحظة تاريخية دقيقة.

حمى الله الأردن... وحمى ضمائرنا من التزييف