بين طيات التاريخ وأسرار الأجداد: رحلة في "صندوق صقلية"


تبارك الياسين
​تأخذنا الكاتبة صفاء حطاب في روايتها "صندوق صقلية"
إلى عالم يضج بالمغامرة والغموض، حيث تلتقي حماسة الشباب بعبق الماضي. الرواية ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي رحلة استكشافية يخوضها أبطال يافعون وراء لغزٍ مخبأ في صندوق قديم، يربط بين حاضرهم وجذورهم الممتدة عبر البحار.

١. لماذا اخترتِ "صقلية" تحديداً لتكون المحور المكاني والزماني للرواية؟ هل هي مجرد خلفية تاريخية أم رمز لشيء أعمق؟

جزيرة صقلية في البحر المتوسط والتي هي جزء من إيطاليا حاليا كانت خيارًا جغرافيًا مقصودًا بذاته وضرورة سردية.
فقد حكمها المسلمون أكثر من ٢٥٠ عاما؛ وتركوا فيها أثرًا وإرثا حضاريا عميقا رغم تغيّر الأزمنة.
بالنسبة لي، كانت صقلية هي مسرح الأحداث الذي يمكن أن يعكس فكرة الرواية الأساسية: أن الخط الحضاري الإنساني ممتد ومتصل وأن لنا إسهامات علمية وإنسانية وتاريخية لا بد من تقديمها في إطار سردي مناسب لجيل الشباب؛ وكان في هذه الرواية البطل هو كتاب الإدريسي الصقلي المهم عن أقاليم العالم.

​٢.ما هي القصة وراء "الصندوق"؟ هل كان موجوداً في مخيلتك كفكرة أولية، أم استلهمتهِ من قطعة أثرية أو حكاية واقعية؟

الصندوق فكرة رمزية وعنصر حكائي في ذات الوقت.
كان يمثل الوعاء الذي تحفظ فيه الحكايات، الأسرار، وربما الذكريات المؤلمة أو المنسية.
لاحقًا، ومع البحث والقراءة، تشابكت الفكرة مع الصناديق الأثرية التي كانت تُستخدم لحفظ المخطوطات أو النفائس وكان الهدف منه في روايتي التشويق الذي يخلقه الغموض المرتبط بها في ذهن القارئ الشاب المتعطش للمغامرة والمعرفة.

​٣. إلى أي مدى استغرقتِ في البحث التاريخي لضمان دقة التفاصيل قبل البدء في كتابة الأحداث؟

البحث كان مرحلة أساسية، واستغرق شهورا من البحث والقراءة للتثبت من المحتوى المعرفي الذي سأقدمه في ثنايا العمل السردي
. قرأت عن تاريخ صقلية الإسلامية العربية، عن العمارة، اللغة، وأنماط العيش، لكنني كنت حريصة على ألا تتحول الرواية إلى استعراض معلومات.
كان "الخيال" هو العنصر الذي دمج "التاريخ" الذي كان بمثابة الأرضية الصلبة التي أقف عليها مع "السرد" الذي تحرك بحرية فوقها ونتج عن كل ذلك "الرواية المعرفية التاريخية" صندوق صقلية.

٤.كيف استطعتِ الربط بين الخيط التاريخي والواقع المعاصر دون أن يشعر القارئ بانفصال في السرد؟

اعتمدت على فكرة الأثر؛ أكتب ماضي المكان بعين الحاضر لصنع المستقبل؛ نبشت في طبقات الزمن والإنسان التي نحن جزء منها وامتداد لها
طرحت الأسئلة الواقعية التي قد تكون إجاباتها في الماضي؛ وأثرت أخرى عن المستقبل؛ وقد يكون هذا ما
جعل الزمن متداخلا ممتدا وغير منفصل عن السرد.

​٥.ما هو التحدي الأكبر الذي واجهكِ أثناء كتابة "صندوق صقلية"؟ هل كان في بناء الحبكة أم في النهايات؟

التحدي الأكبر كان تحقيق التوازن بين البساطة التي تناسب القارئ اليافع، والعمق الذي يعطي النص قيمته المعرفية والبعد الجمالي الأدبي.
وكان اختيار الحبكة الدرامية المغامراتية تحديا كبيرا في أجواء قصة تاريخية؛ أما النهاية فكانت اختبارًا صعبًا؛ أردتها مفتوحة ومكتملة بما يكفي لتُشعل التفكير وتثير الأسئلة.

٦.ما الذي يجعل "صندوق صقلية" قصة تجذب القارئ اليافع الذي يميل عادةً للألعاب الإلكترونية أو الأفلام السريعة؟ كيف نافستِ هذه الملهيات؟

لم أحاول منافسة السرعة بتحديها، كانت فكرتي أنا أنافسها بمجاراتها وتقديم قيمة معرفية بلغة مكتوبة وجملة رشيقة ورواية لا تتجاوز المائة صفحة. اعتمدت فيها على عنصر الغموض، الاكتشاف، والشعور بالمغامرة وبالتالي تشويق القارئ اليافع وتحفيزه على إكمال القراءة،
حين يشعر المتلقي الصغير أن الكتاب يحاكيه باغة مفهومة وأن هناك لغزًا ينتظره، وأنه شريك في فكّه، يصبح الكتاب لعبة ذهنية لا تقل تشويقًا عن أي شاشة.

٧.كيف استطعتِ تمرير معلومات تاريخية عن صقلية وعلاقتها بالعرب دون أن يشعر القارئ الصغير بأنه في حصة مدرسية مملة؟ وهل تعتقدين انك نجحتي في ذلك ؟

.للحكاية والقصة أثر مدهش على المتلقي تكون فيها المعلومة جزءًا من الحدث.
يقدم فيها التاريخ عبر حركة الشخصيات، تساؤلاتها، واكتشافاتها. أما عن النجاح، فأنا أؤمن أن القارئ هو الحكم الأخير، لكنني حاولت بصدق أن أجعل المعرفة متعة، وأن أقدّم التاريخ كحكاية تفاعلية حيّة.


القائمة

* ”’ (ولدت في 13 فبراير 1973، عمان، الأردن) هي أكاديمية وكاتبة وباحثة أردنية وناشطة ثقافية،
متخصصة في الرواية التاريخية وأدب الفتيان والشباب. تركز أعمالها على مزج السرد الإبداعي بالحقائق العلمية لإحياء التراث الثقافي والحضارات القديمة، مع إبراز الهوية الثقافية والسردية الوطنية وربط الأجيال الناشئة بتراثهم.




== السيرة الذاتية ==
ولدت الحطاب في عمان، الأردن، وتخرجت في قسم اللغة العربية من كلية الآداب، الجامعة الأردنية بتقدير امتياز.
عملت في التعليم لمدة أربعة عشر عامًا قبل أن تتفرغ للبحث والنشاط الثقافي والأدبي.
تشغل الحطاب عدة أدوار ثقافية وأكاديمية، منها:
* عضو ”’رابطة الكتاب الأردنيين”’, وأمين سر لجنة الرواية والقصة سابقًا.
* عضو ”’الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب”’.
* عضو مؤسس في ”’جمعية الرواد للسياحة الفلكية / وزارة السياحة الأردنية”’.
* عضو ”’مختبر السرديات الأردني”’ ضمن برنامج ما قبل النشر.
* مؤسس ومحرر موقع ذات الثقافي الإلكتروني.

الأعمال الأدبية ==
=== سلسلة "الحضارة المفقودة” ===
سلسلة روايات موجهة للفتيان والشباب، تستعرض حضارات قديمة بطريقة تربط الماضي بالحاضر وتعزز الهوية الثقافية.
* ”’النبطي المنشود (2023)”’: رواية تاريخية تروي قصة شاب يسعى لإحياء التراث العلمي والفلكي لحضارة الأنباط في مدينة البترا. من إصدارات مكتبة الأسرة 2023
* ”’لصوص الآثار (2025)”’: رواية مغامراتية للفتيان تتناول تهريب وسرقة الآثار لتعزيز الوعي بالهوية الحضارية.
* ”’صندوق صقلية (2021)”’: رواية تربوية وتثقيفية ضمن برنامج مكتبة الأسرة 2025
* ”’نفرتاري الرقيم (2021)”’: رواية تربط الحضارات القديمة بالحاضر، موجهة للفتيان والشباب من إصدارات وزارة الثقافة الأردنية
* ”’يوميات مريم (2025)”’: رواية تسرد حياة فتاة ريفية، موثقة جوانب التراث غير المادي مثل العادات والتقاليد والقصص الشفوية. من إصدارات وزارة الثقافة الأردنية
* ”’المنهج الواضح للمعلم الناجح (2021)”’: كتاب يركز على التعليم وطرق التدريس الفعالة، صدر عن دار المأمون للنشر والتوزيع.