ذكرى الوفاء والبيعة… التنمية نهجٌ راسخ ومسيرة تتواصل

م. حديثة الخريشة – رئيس مجلس أمناء صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية

في السابع من شباط من كل عام، تحلّ ذكرى الوفاء والبيعة في وجدان الأردنيين باعتبارها محطة وطنية ذات دلالة عميقة، تُجسّد معاني الوفاء للراحل الملك الحسين بن طلال، والبيعة لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، واستمرار النهج الهاشمي القائم على القرب من المواطن، والإيمان بالإنسان، والعمل من أجل مستقبل أفضل للأردن.

والوفاء في هذه المناسبة لا يقتصر على استذكار قائدٍ استثنائي، بل هو استحضار لإرثٍ راسخ من الحكمة والاعتدال وبناء الدولة، أرسى دعائمه الملك الحسين بن طلال، الذي كرّس حياته لخدمة الأردن والارتقاء بالإنسان الأردني، واضعاً التنمية والعدالة وتكافؤ الفرص في صلب مشروعه الوطني.

وأما البيعة، فهي تجديد للثقة والالتفاف حول جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي حمل الأمانة وواصل المسيرة بعزمٍ وإرادة، مستنداً إلى رؤية تحديثية شاملة، جعلت من الإنسان محور التنمية.

ومنذ تسلّمه سلطاته الدستورية، أكد جلالته أن التنمية الحقيقية تبدأ من الميدان، ومن فهم احتياجات المواطنين، وترجمتها إلى سياسات وبرامج ومبادرات ذات أثر ملموس حيث جاءت رؤية ملكية تُرجمت إلى مبادرات ومؤسسات تنموية فاعلة من أبرزها صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، الذي أُسّس كأول مبادرة ملكية في عهد جلالته ليكون ذراعاً تنموياً داعماً للجهود التنموية في مختلف المحافظات.

ويواكب الصندوق باستمرار الأولويات الوطنية الكبرى، وعلى رأسها رؤى التحديث الثلاث: التحديث الاقتصادي، والتحديث السياسي، وتطوير القطاع العام، حيث يتم مواءمة البرامج والمشاريع بما ينسجم مع هذه الرؤى ويساهم في تحقيق مخرجاتها على أرض الواقع.

بادر الصندوق منذ تأسيسه في تنفيذ العديد من المشاريع التنموية في المحافظات بالتعاون مع القطاعين العام والخاص، بهدف تأسيس استثمارات تنموية مستدامة تسهم بدورها في تعزيز الفرص التنموية على مستوى المجتمعات المحلية والأفراد، حيث سعت هذه المشاريع إلى تحفيز وتحسين البيئة الاقتصادية مع التركيز على الشباب والنساء لتأسيس مشاريعهم المدرة للدخل والمولدة لفرص العمل، والارتقاء بثقافة المبادرة والمشاركة في الأنشطة الإنتاجية المختلفة.

وتولى صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية دوراً محورياً في تنفيذ مشاريع تنموية شملت قطاعات متعددة، وأسهمت في تعزيز البيئة الاقتصادية والاجتماعية في مختلف محافظات المملكة.

وقد تنوّعت هذه القطاعات لتشمل قطاع التعليم المهني من خلال الأكاديمية الملكية لفنون الطهي التي ساهمت في رفد القطاع السياحي والفندقي بالكفاءات وتغيير الصورة النمطية عن مهنة الطهي، وفي القطاع السياحي وإحياء التراث أسس الصندوق الشركة الأردنية لإحياء التراث التي ساهمت في صناعة منتجات سياحية تحاكي الأحداث التاريخية في المملكة أبرزها الى رحلة قطار الثورة العربية الكبرى التي أصبحت مقصداً للعديد من السياح.

كما أسست عدة مشاريع بهدف توفير بنية تحتية لاستقطاب الاستثمارات في محافظة معان لتكون المطوِّرَ الرئيسي للمنطقة من خلال توفير حاضنة استثمارية وتنموية توفر فرصاً استثمارية مبنية على المزايا التنافسية، ومنها منطقة الروضة الصناعية، وواحة الحجاج، والمجمع السكني للطالبات، ومشروع الطاقة الشمسية، إضافة الى العمل مع القطاع الخاص على تطوير الساحل الشرقي للبحر الميت ليصبح وجهة للمؤتمرات.

وفي جانب الصناعات الإبداعية والريادية، أُسِّست اويسيس ٥٠٠ تحت مظلة الصندوق، بهدف دعم الرياديين وتأهيلهم وتشجيعهم للتوجه نحو تسجيل الشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا والصناعات الإبداعية.

يعكس هذا شمولية النهج التنموي القائم على تمكين المجتمعات المحلية وخلق فرص مستدامة للعمل والإنتاج، هذه المشاريع لم تقتصر غاياتها على الأثر الاقتصادي، بل حملت أبعاداً اجتماعية أسهمت في تحسين نوعية الحياة، وترسيخ ثقافة المبادرة والاعتماد على الذات.

وانطلاقًا من قناعة راسخة بأن الشباب هم محور التنمية وركيزتها، نفذ الصندوق برامج نوعية هدفت إلى إعداد الشباب لسوق العمل، وتطوير مهاراتهم، وتعزيز قدراتهم القيادية ودعم المشاريع الريادية التي تشجعهم على الابتكار.

كما ركزت برامج الصندوق على ترسيخ قيم المواطنة الفاعلة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، ونشر ثقافة العمل التطوعي والحوار، في انسجام مع التوجهات الوطنية والأوراق النقاشية لجلالة الملك، بما يسهم في بناء جيل واعٍ وقادر على تحمل المسؤولية.

وفي ذكرى الوفاء والبيعة، يجدّد الأردنيون عهدهم بأن يبقى الوفاء نهجاً، والبيعة التزاماً، والعمل عنواناً للمرحلة، مستلهمين إرث الملك الحسين، وماضين خلف قيادة الملك عبدالله الثاني، نحو أردن أكثر قوةً ومنعةً وقدرة على مواصلة مسيرته بثبات وثقة.

ونحن في صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية نؤكد في هذه المناسبة استمرارنا في أداء دورنا التنموي تلبيةً لتطلعات جلالة الملك عبدالله الثاني، من خلال العمل على إعداد استراتيجية للأعوام الثلاثة القادمة، تُؤطّر جهوده عبر مشاريع وبرامج نوعية، وتوظيف تكنولوجيا المستقبل والذكاء الاصطناعي لبناء قدرات المواطنين، وبما يواكب متطلبات سوق العمل ويسهم في تحقيق التنمية المستدامة.