ألغاز الجغرافيا السياسية في عالم اليوم!

ألغاز الجغرافيا السياسية في عالم اليوم!

د. توفيق شومر 

هل تؤدي سياسة الولايات المتحدة الأمريكية إلى نهاية النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية؟ أم أن تصرفات الولايات المتحدة ناتجة عن تقهقر هذا النظام، في محاولة يائسة للبقاء في موقع متقدم؟ هل تصرفات إدارة الولايات المتحدة ناتجة عن غباء سياسي أم عن استخدام غير معهود لأدوات القوة ضمن منظومة ما بعد الحرب العالمية الثانية؟ ما هي العوامل التي تؤثر بشكل حاسم في السياسة العالمية؟ وهل ستكون تصرفات الصين متناسبة مع ما يعتقد أنها ستكون عليه ضمن فهمنا للعالم؟ هل سيكون للعوامل التأسيسية في العلاقات الدولية مكان في تحليل ما يحدث اليوم حولنا؟ هذا المقال سيحاول أن يقدم إضاءات على المشهد، ولكنه لن يحاول أن يقدم إجابة شافية. 
لنضع النقاط على الحروف أولاً. الولايات المتحدة الأمريكية هي إمبراطورية في طور الأفول، ولكنها ما زالت قوية بما يكفي لتحدث الكثير من الأضرار في الطريق. الصين هي القوة الوحيدة المهيأة لتبوُّء المركز الأول في السياسة العالمية.  وبلغة أوضح، الصين هي الإمبراطورية القادمة.  اللاعبون الآخرون في المعادلة الدولية هم: أوروبا، وهي في حالة تراجع كبير، روسيا، وهي لاعب مهم وأهميتها تنبع من مساحتها وموقعها بالإضافة للمصادر الطبيعية لديها وكونها دولة نووية، الهند، وهي قوة في طور الصعود، ولكن حجمها وطبيعتها الديمغرافية واقتصادها يؤهلها للعب دور مهم، والعديد من الدول التي تسعى لأن يكون لها موقع على الخارطة السياسية مثل البرازيل، وجنوب أفريقيا، واليابان، وغيرهم.
الاقتصاد العالمي اليوم يعتمد على جملة من العوامل الأساسية: التكنولوجيا ومدى تطورها، المصادر الطبيعية، مصادر الطاقة، خطوط التجارة العالمية.  وبالتالي فإن الهيمنة على هذه العوامل ستؤدي بالضرورة إلى هيمنة القوة المسيطرة عليها.  ولذلك ففي الجغرافيا السياسية تعتبر هذه العوامل هي المحرك الأساسي للنزاعات بين القوى العالمية. 
في منطقتنا كانت العوامل التي جعلت من المنطقة حلبة للصراع تتمثل في الطاقة، فبعد حرب تشرين عام 1973 أخذت الإمبريالية قراراً بعدم تكرار ما حدث، وكان الشعار يومها "لن يحدث ذلك ثانية أبداً" (Never Again) بالإشارة لاستخدام العرب لسلاح النفط.  حينها بدأت حروب النفط على المنطقة بأشكال متعددة من افتعال حروب أهلية إلى افتعال حروب بين دول المنطقة، إلى التلاعب بالاختلافات الطائفية والعرقيات المفتعلة لتفتيت الوطن العربي.  وبعدها جاءت حروب الغاز، ونحن اليوم على أعتاب حروب الشمس. 

حرب الإبادة على غزة كانت، وما زالت جزءاً من حروب الغاز علينا.  ويضاف إليها اليوم حروب الممرات التجارية.  فعشية السابع من أكتوبر 2023 كانت الإمبريالية تخطط لخطوط تجارية بديلة لطريق الحرير في حربها ضد الصين.  وكان الخط الهندي هو الأساس. الخط الهندي ينطلق من موانئ الهند ليصل إلى ميناء جبل علي في الإمارات المتحدة، وثم ينطلق براً عبر المملكة السعودية إلى الأردن وثم يتجه غرباً إلى الكيان الصهيوني ليصل إلى ميناء أسدود والذي كان من المتوقع توسيعه ليصبح الممر للشحنات باتجاه أوروبا. استلزم هذا الخط وجود اتفاقات مع الكيان الصهيوني من دول المنطقة فكان اقتراح ما يسمى بالاتفاقات الإبراهيمية كوسيلة لضمان إمكانية التبادل التجاري والسماح بعبور الشحنات عبر الخط الهندي إلى أسدود.  كان السابع من أكتوبر إشعاراً بفشل المخطط، فكان لزاماً أن يتم تصفية المقاومة لضمان مسير الخطوط التجارية. 
لنحلل قليلاً ما حدث فيما يتعلق بخطوط التجارة.  السابع من أكتوبر أوقف سيل الاتفاقات الإبراهيمية عندما أعلنت السعودية انسحابها من التفاوض (حتى لو كان هذا الانسحاب شكلياً). وأنصار الله الحوثيون بدأوا بحرب الإسناد التي منعت السفن من الإبحار إلى ميناء أم الرشراش وتعطل الميناء بشكل كامل، وهذا إنذار ثانٍ لحرب الممرات.  فبعد أن كانت الأساطيل الأطلسية بقيادة الولايات المتحدة تدعي حمايتها للممرات المائية وسيطرتها على البحار جاء الفعل اليمني ليثبت هشاشة هذه الحماية فكان لزاماً على دول الأطلسي أن تستجيب بإعلان الحرب على اليمن لإيقاف جبهته. 
حققت الإمبريالية وربيبتها انتصارات جزئية في المنطقة، ولكنها خسرت الكثير على المستوى العالمي، إن كان باستمرار تراجعها أمام التقدم الكبير للصين، وإن كان على مستوى الموقف الأخلاقي. 
استراتيجية الأمن القومي الجديدة للولايات المتحدة هي المخرج، برأي الإدارة الحالية، للتراجع العالمي للهيمنة الأمريكية، فإذا دمجنا هذه الاستراتيجية مع العوامل المؤثرة في السياسة العالمية يمكن بكل وضوح أن ندرك ما ترمي إليه سياسة الإدارة الحالية للولايات المتحدة من تصرفاتها وتصريحاتها. لا يجب علينا أن ننظر إلى الرئيس ترامب على أنه "مجنون" أو "لا يعرف ماذا يريد ويغير رأيه كل دقيقة".  فهو، على الرغم من صلافة تصرفاته، يعرف ما يريد ويتجه لتنفيذ سياسة الأمن القومي بطريقة فجة. 
في رئاسته الأولى، كان ترامب يطرح الانكفاء داخل الحدود و"جعل أمريكا عظيمة مرة ثانية". اليوم هو يوسع من الدائرة لأنه أدرك أنه لا يستطيع أن يحقق الأغراض التي يسعى إليها من خلال الانحسار داخل الأسوار.  بالتالي بدأ الحديث عن النصف الغربي للكرة الأرضية على أنه كتلة واحدة لا بد من الهيمنة بالكامل عليها: فكندا هي الولاية 51 للولايات المتحدة، ولا بد من إخضاع وإركاع أمريكا الجنوبية بالكامل لسياسة الولايات المتحدة ضمن مبدأ مونرو، أو "مبدأ دونترو" الجديد، ولا بد من إخضاع أو شراء أو احتلال غرينلاند. 
الحديث عن أمريكا الجنوبية لا يخرج عن الصراع على المعادن النادرة والطاقة بأشكالها، والحديث عن كندا وغرينلاند يقع ضمن ضمان خطوط تجارة جديدة تمر خلال المحيط المتجمد الشمالي.  وهذا الخط البحري الجديد يقلل المسافة التي تقطعها البواخر بأكثر من 2700 ميل بحري، وبالتالي يقلل الوقت المستغرق للبواخر لتصل من الموردين الى المستوردين.  لكنّ هذه الطريق يمكنها إما ان تقطع من خلال حدود روسيا باتجاه المحيط الهادي أو من خلال الخط الغربي والذي يمر بمحاذاة غرينلاند وعبر شواطئ كندا الشمالية ليصل إلى ألاسكا ومنها إلى المحيط الهادئ، أي أن الاستحواذ على غرينلاند والحديث عن كندا كولاية في الولايات المتحدة لا يخرج عن دائرة حروب الممرات.    
القضية الثانية هي المعادن النادرة.  وفي محاولتها للهيمنة على بعض هذه المعادن النادرة، والتي تعتبر كل من الصين وروسيا المزود الأكبر لها في العالم، وقعت الولايات المتحدة اتفاقية حصرية مع أوكرانيا لمدة 300 سنة بحيث تتمكن من السيطرة على كل المعادن النادرة في أوكرانيا.  هذه الاتفاقية هدفها الأساسي هو خفض اعتماد الولايات المتحدة على استيراد المعادن، وخاصة الليثيوم والتيتانيوم، من الصين. الخطوة الثانية كانت من خلال المطالبة بالسيطرة على غرينلاند والتي تحتوي مخزوناً غير محدد من المعادن والتي لم يتم استخراجها ولا تعدينها بعد.  والخطوة الثالثة كانت بفرض هيمنتها على أمريكا الجنوبية وبالأخص فنزويلا، والتي تمتلك بالإضافة للاحتياطي الهائل من النفط مخزوناً كبيراً من المعادن النادرة. 
التفكير الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية يذهب إلى التركيز على نصف الكرة الأرضية الغربي، بحيث يتم الانسحاب التدريجي من الانتشار في كل العالم إلى الانتشار فقط ضمن نصف الكرة الأرضية الغربي.  بهذا التفكير تعتقد الولايات المتحدة أنها ستتمكن ليس فقط من المحافظة على دورها "الريادي" في العالم، نظراً لما ستحققه من أرباح وثروات من خلال هيمنتها الكاملة على نصف الكرة الأرضية الغربي. 
إلى الآن ما زالت للولايات المتحدة بعض القوة التي يمكنها أن تفرضها على العالم، ولكن هل ستنجح طويلاً؟ هل بالفعل يمكنها أن تفرض هيمنتها على نصف الكرة الأرضية الغربي وأن تخضِع كندا لتكون الولاية 51 وأن تقنع الدنمارك ببيع غرينلاند؟ 
التاريخ يقول لنا أن الامبراطوريات الآفلة تتخذ خطوات تعتقد أنها ستنقذها من الانهيار ولكنها في مسيرها تساعد على زيادة وتيرة الانهيار. 
لنأخذ العوامل المحددة للاقتصاد التي ذكرتها أعلاه. في التطور التكنولوجي، فبالرغم من أن الكثير من الأسماء المهيمنة عالمياً ما زالت لشركات من الولايات المتحدة، إلا أن الحصة من التوزيع عالمياً تتفوق بها الصناعات التكنولوجية الصينية، أي أن الشركات الصينية تحصل على 30% من السوق بينما الشركات من الولايات المتحدة تحصل على 18% فقط، وبحسب الذكاء الصناعي فإن الصين تتفوق في 57 من أصل 64 صناعة تكنولوجية بما فيها الذكاء الصناعي والكمبيوترات الكوانتية والطاقة المتجددة والقطارات وغيرها. 
أما على مستوى البحوث والتطوير ففي حين تضخ الصين بكل قوة في جامعاتها ومراكز أبحاثها نرى أن الإدارة الحالية في الولايات المتحدة تهجم على جامعاتها وتحد من قدراتها البحثية.  وبالتالي نجد اليوم أن الصين، وبحسب مؤشر مجلة نيتشر، قد تفوقت على الولايات المتحدة في عدد الأبحاث العلمية ونوعيتها بارتفاع يزيد عن 17% بينما تم التراجع في الولايات المتحدة بنسبة 10%.  وبالتأكيد هذا سينعكس مباشرة على التكنولوجيا وتطوراتها. 
في مجال الطاقة، ما زالت الصين تتمكن من توفير مصادر للطاقة خارج هيمنة الولايات المتحدة، وعلى الرغم من إيقاف التدفق من فنزويلا بعد اختطاف الرئيس مادورو وإطباق الحصار على الدولة وعلى من يمكنهم التعامل معها، تمكنت الصين من عقد صفقات بديلة مع السعودية بالإضافة للتدفق المستمر من روسيا وإيران.  وبناءً عليه، فقد يكون الهجوم المتوقع على إيران هدفه ليس دور إيران في المنطقة بمقدار دور إيران في تزويد النفط للصين.  ولكن تحاول الصين جاهدة إيجاد بدائل للنفط من خلال تطوير تكنولوجيا تحتاج إلى طاقة أقل ومن خلال الجهد المكثف في تكنولوجيا الطاقة البديلة. 
في مجال مصادر للمعادن النادرة، فالتفوق الصيني بيّن، ومحاولات الولايات المتحدة للهيمنة على مصادر بديلة هي محاولات يائسة لم توّلد إلا مزيداً من الحنق والغضب ضد هيمنة الولايات المتحدة على العالم، وحتى من قبل حلفائها، وما أدل من ذلك الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء الكندي في مؤتمر دافوس، والذي أعلن فيه انتهاء النظام العالمي المبني على القانون (وكأن النظام العالمي كان مبنياً على القانون أساساً)، وأن النظام اليوم مبني على القوة (كونها بدأت تصل إليه)، وطالب بأن يكون هناك تحالف بين المستضعفين لمواجهة هيمنة الولايات المتحدة.  فحلفاء الولايات المتحدة ينفضون من حولها. 
الدول التي تهادن الآن بالرغم من معارضتها لهيمنة الولايات المتحدة ستدرك سريعاً أن الخط الوحيد لوقف الهيمنة ليس بالمهادنة، ولكن بالمواجهة، وستعود لترفع صوتها ضد الهيمنة والغطرسة.  ولن تتمكن الولايات المتحدة من فرض ما تريد وهي في هذا الوضع المتراجع.  ومع إعلان إدارة ترامب عن "مجلس السلام" والذي يمكن اعتباره تقويضاً مباشراً للقانون الدولي وللأمم المتحدة، تصبح احتمالات تشكل تحالف مناهض لتوجه الولايات المتحدة أكبر.               
في حرب الممرات والطرق التجارية، نجد أن الصين ما زالت تسير بخطى ثابتة في توسيع خطوطها التجارية وخاصة البرية منها من خلال القطارات السريعة جداً (bullet trains) والتي تستطيع أن تقطع المسافة من الصين إلى إسبانيا خلال 12 يوماً.  ويتم اليوم تطوير هذه القطارات لتتمكن من نقل كميات أكبر من القطارات السابقة (والتي تحمل 5000 طن) لتصل كما في القطار الذي أعلنت عنه الصين مؤخراً (في التاسع من كانون الثاني 2025) والذي يستطيع نقل 35000 طن مقترباً من الوزن الذي تنقله السفن والذي يصل إلى 50000 طن. 
أما عن محاولات الولايات المتحدة للسيطرة على الخطوط البحرية فهذا يصطدم بالمعارضة الأوروبية لاستحواذ الولايات المتحدة الأمريكية على غرينلاند وبالمعارضة الكندية لاعتبار السير من خلال سواحلها بأنه مسير في مياه دولية، ورفضها لعروض الولايات المتحدة وبداية شعورها بمشاعر الدول التي ترفض الهيمنة. 
وبالنسبة لما كان معروفاً عن الولايات المتحدة بأنها تسيطر على خطوط النقل البحرية نجد أن هذه الهيمنة تم اختراقها وبأبسط الإمكانيات خلال حرب الإسناد اليمنية، والتي أثبتت أن تعطيل خطوط النقل البحرية سيكون أبسط بكثير مما كان يعتقد سابقاً وعلى الأخص مع الصواريخ والمسيرات منخفضة الثمن عالية الدقة وبعيدة المدى. 
يبقى السلاح الأقوى بيد الولايات المتحدة هو هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي، وهذا ما يتم الآن تفكيكه لبنة بعد لبنة، فبعد انتشار الكثير من التعاملات التجارية بالعملات المحلية للدول وحتى من قبل الكثير من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، وصلت الضربة الأخيرة من خلال إعلان دول البركس بإشهار خط تحويل عالمي جديد بديلاً لنظام (سوفت)، والذي أعلنت عنه البرازيل من خلال تطوير نظام الدفع (بكس) ليتمكن من التحويل عالمياً من دون الحاجة للمرور بالبنوك في الولايات المتحدة، وهو ما نتج عنه غضب شديد من قبل إدارة ترامب على البرازيل ونظامها البنكي. 
إذاً، وعلى الرغم من أن هيمنة الدولار ما زالت طاغية في التعاملات التجارية العالمية، إلا أنها في تراجع مستمر، وهو ما يبرر الارتفاع غير العادي لسعر الذهب، فالدول بدأت ومنذ سنوات تكدس الذهب في بنوكها المركزية وذلك بعد أن بدأت تستشعر تراجع هيمنة الدولار.  
أما عن القوة العسكرية، فالولايات المتحدة ما زالت رسمياً الدولة الأقوى عسكرياً، لكنْ، وباعتراف الكثير من المحللين فهي تعاني من تراجع في الكثير من المجالات التقليدية، وقد يكون تفوقها الأساسي اليوم في الحرب الالكترونية، لكنّ الصين تقترب من إغلاق الفجوة العسكرية بين البلدين بوجود الدعم للصناعة العسكرية وللتطوير التكنولوجي فيها.  وحتى لو تم التسليم بالتفوق العسكري للولايات المتحدة، يبقى التفوق العددي للجنود النظاميين في الجيش لصالح الصين من دون منازع بتعداد جيش نظامي يتعدى ثلاثة ملايين، وتضخم جديد هائل للقوة البحرية بحيث أصبح الأسطول الصيني يقارب ضعفي أسطول الولايات المتحدة، مع وجود سفن حديثة الصنع، بعد 2010، في 70% من الأسطول الصيني، وطاقة تصنيعية تفوق الطاقة التصنيعية للسفن في الولايات المتحدة بما يقارب 200 مرة. 
وإذا ما أخذنا العامل الديموغرافي والذي تتفوق به الصين بلا منازع. الصين قد لا تكون جاهزة للمواجهة العسكرية المباشرة، أو قد لا تكون راغبة بهذه المواجهة، لأنها تدرك أن الوقت كفيل بتفكك منظومة الهيمنة الحالية، وأن الإجراءات التي تتخذها في مجال التصنيع والتكنولوجيا كفيلة بأن تضعها في موقع القيادة العالمية، ولكنها أيضاً قد تدفع للمواجهة إذا استمرت الولايات المتحدة في محاولاتها لخنقها نفطياً. وهذا الاحتمال ضعيف، ولكنه ممكن. 
هناك سيناريو آخر ينبع من أحلام الاستراتيجية الأمنية الجديدة للولايات المتحدة والمتمثل بأن يتم الاتفاق مع الصين على أن تحصر انتشارها في العالم القديم وتترك نصف الكرة الأرضية الغربي لهيمنة الولايات المتحدة.  واستبعد هذا السيناريو لأن الصين تدرك أن إمكانية الولايات المتحدة لتحقيق هذه الاستراتيجية أقرب إلى المستحيل. هذا بالإضافة إلى أن الصين تفضل نظام التعدد القطبي عن الانفراد الكلي بالهيمنة السياسية، فهيمنتها على الصناعة العالمية كافية لفرض أجنداتها على حلفائها. 
في الخاتمة، لا بد من التنبيه إلى أن الهند هي من الدول الصاعدة بقوة في الكثير من المجالات ولكنها إلى اليوم لا تشكل عاملاً يمكنه أن يغير التوازنات المذكورة هنا، وبناءً عليه لم يتم مناقشة تأثيرها المستقبلي والذي قد يكون ضاغطاً بعد عشر سنوات وليس قبل ذلك. 
ومع أن هذه التغيرات الهائلة في السياسة الدولية تدفع باتجاه الكثير من التكهنات التي لا تتوافق مع النظريات السائدة في الجغرافيا السياسية، ولكن بالعودة إلى العوامل الأساسية المؤثرة في تعريف قوة الدول وقدرتها على التحرك نجد أن محاولات الولايات المتحدة هي محاولات يائسة وفاشلة ولن يكتب لها النجاح بالرغم من كل الجعجعة التي نسمعها حولنا