تآكل الطبقة الوسطى في الأردن: دخلٌ يزداد وأعباء تلتهمه

تواجه الأسر الأردنية ضغوطاً اقتصادية ومعيشية متراكمة انعكست بشكل مباشر على بنية المجتمع ودور طبقاته المختلفة، في مقدمتها الطبقة الوسطى. هذه التحولات المتسارعة باتت تُنتج واقعاً اجتماعياً واقتصادياً هشّاً ينعكس على الاستقرار العام.

في حديث للأنباط صرّح الخبير الاقتصادي حسام عايش أن الطبقة الوسطى تاريخياً كانت طبقة أصحاب المهن، من أطباء ومهندسين ومعلمين ومثقفين، وكانت تشكّل الغالبية العظمى من المجتمع الأردني، نظراً لدورها كضابط إيقاع اقتصادي وثقافي واجتماعي ومهني وتقني، ما جعلها صمام أمان للعملية الاقتصادية والاجتماعية بأبعادها المختلفة.

وأشار إلى أن التفاوت الطبقي في الأردن كان محدوداً في السابق، إذ كان معظم الناس في خضم الطبقة الوسطى بدرجاتها العليا والمتوسطة والمنخفضة، إلا أن الضغوط الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية، واتساع الفجوات بين الدخول، وتراجع أو تلاشي مهن وحِرَف كانت مهمة في الماضي، أدت إلى حالة وجد فيها كثير من أبناء الطبقة الوسطى أنفسهم غير قادرين على تلبية متطلبات حاجاتهم الأساسية.

وبيّن أن هناك تراجعاً مستمراً في حجم ودور ومعنى الطبقة الوسطى في الأردن، لافتاً إلى أن دراسات سابقة كانت تشير إلى أنها تشكّل قرابة ثلث المجتمع، إلا أنه يعتقد اليوم أنها أصبحت أقل من ذلك، وربما لم تعد تساوي ربع المجتمع من حيث العدد، ما يضع البلاد أمام مأزق كبير تتجلى نتائجه في الحالة الهلامية التي يعيشها المجتمع، وفي الانتقال السريع لأبناء الطبقة الوسطى نحو الطبقة الفقيرة، وفي التبدل المتسارع في أحوال الناس ومكانتهم الاجتماعية.

وقال إن الدخول النقدية قد تكون ارتفعت، لكنها لم تواكب التغير في أنماط الحياة الاقتصادية والاجتماعية والاستهلاكية للأسر، مؤكداً أن التكاليف ترتفع باستمرار وبوتيرة تفوق نمو الدخل، حتى لو زاد بالقيمة النقدية، فإنه يتراجع بالقيمة الشرائية.

ونوّه إلى أن الأسرة الأردنية تنفق بالمعدل نحو 30–32 في المئة من دخلها على الغذاء، وحوالي 23 في المئة على الماء والكهرباء والغاز والسكن، إضافة إلى نحو 17–19 في المئة على المواصلات والنقل، ما يعني أن قرابة ثلاثة أرباع الإنفاق يذهب إلى متطلبات أساسية لا مرونة فيها، وهو ما يدل على أن معظم دخل الأسرة يُصرف على أساسيات الحياة.

وأوضح أن كلفة هذه المتطلبات الأساسية ترتفع باستمرار، ما يؤدي إلى اقتطاع مزيد من الدخل لصالح الإنفاق عليها، ويشكّل سبباً أساسياً من أسباب العجز، مشيراً إلى أنه كلما انخفض دخل الفرد أو الأسرة، زادت نسبة الإنفاق على الاحتياجات الأولية، كالغذاء والسكن، لتصل في بعض الحالات إلى 40 أو 50 أو 60، بل وحتى 70 و80 في المئة من الدخل، فقط للبقاء على قيد الحياة.

وأكد أن الجميع زاد دخله بالقيمة النقدية، لكن القوة الشرائية لم تواكب هذه الزيادة، ما يعني أن الإنفاق على الاحتياجات الأساسية بات يأكل معظم دخل الأسرة، ويؤثر على توازنها الاقتصادي والاجتماعي، وعلى دورها في المجتمع، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الطبقة الوسطى التي تراجعت من حيث الحجم والدور والتوازن الذي كانت توفره.

ولفت إلى وجود فجوات واضحة في الرواتب، سواء بين القطاعين العام والخاص لصالح العام، أو بين الذكور والإناث لصالح الذكور، أو بين القطاعات المختلفة، مشيراً إلى أن القطاعات كثيفة التوظيف هي في الغالب القطاعات الأقل أجراً، ما يعني أن شريحة واسعة من الناس تعمل في قطاعات دخلها منخفض.

وأشار إلى أن التكاليف المعيشية ترتفع باستمرار، وأن معدلات التضخم، حتى وإن كانت أقل من 2 في المئة، لا تعكس شعور المواطنين الحقيقي بارتفاع الأسعار، خصوصاً أن متطلبات الأسرة توسعت ودخلت عليها عناصر وكلف جديدة لم يواكبها الدخل، مثل متطلبات الحياة الرقمية، وزيادة استهلاك الكهرباء، وارتفاع أسعار الإنترنت والاتصالات، واستخدامات الهواتف الذكية.

وبيّن أن هذه الزيادات لم تُقابل بزيادة مماثلة في الدخل، ما أدى إلى تراجع القيمة الحقيقية للنقود، مؤكداً أن شعور المواطن بوطأة الأسعار أصبح أعلى بكثير من شعوره بتحسن دخله.

وحول الإيجارات، قال عايش إنها باتت تشكّل تهديداً مباشراً للاستقرار الأسري، إذ قد تستهلك بالمعدل نحو 40 في المئة من دخل الأسرة، في ظل متوسط رواتب يتراوح بين 580 و600 دينار، ما يعني اقتطاع القسم الأكبر من دخل رب الأسرة للسكن، إضافة إلى تكاليف الكهرباء والمياه والغاز، والنقل، والتعليم، والصحة.

وأكد أن دخل الموظف الأردني بالكاد يكفي لحياة معيشية راكدة، دون أي قدرة على الخروج عن متطلبات الحياة البسيطة، ما يجعل الجميع يشعر وكأنه في أزمة مالية، وأن الاستدامة والأمان الماليين باتا في خطر، وهو ما يدفع كثيراً من الأسر إلى الاستدانة، سواء من البنوك أو من جهات غير رسمية، أو من الأقارب والأصدقاء، أو حتى عبر بيع أصول تملكها لتغطية نفقاتها.

وأشار إلى أن فواتير الكهرباء والمياه والمحروقات تقتطع جزءاً كبيراً من الدخل، وتحدّ من قدرة الأسر على الإنفاق على المتطلبات الطارئة أو تحسين مستوى معيشتها، ما يدفعها أحياناً إلى تقليص إنفاقها على الصحة أو التعليم أو نوعية الغذاء.

وختم عايش بالقول إن كثيراً من الأسر اضطرت إلى تغيير نمط معيشتها عبر تقليل الاستهلاك، أو البحث عن بدائل أقل كلفة وأقل جودة، أو تأجيل الالتزامات، أو اللجوء إلى الاقتراض، مؤكداً أن ارتفاع أسعار الفوائد جعل من هذا الاقتراض عبئاً إضافياً، وزاد من حالة العجز والضغط المالي، في ظل عدم قدرة الأسر على الاستمرار حتى بالحد الأدنى من متطلبات العيش.

هيفاء غيث