غزة ومجلس السلام: جزء من حل.. أم أحد مسارات التغيير العالمي؟

قد لا نكون أمام نهاية حرب، ولا أمام مبادرة سلام فقط، ولسنا أمام نزق سياسي فرضه مزاج الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل ربما نكون أمام مشهد من مشاهد إعادة ترتيب العالم، بدءا من اعتقال مادورو، إلى رفع كلفة حلف شمال الأطلسي على الحلفاء، مروراً بمجلس السلام وغزة، وربما غرينلاند أو إيران لاحقاً، تتحرك واشنطن لأن النظام الذي صنعته بعد الحرب الباردة لم يعد يخدمها كما أرادت، ولأن العولمة التي بشّرت بها لم تعد تعمل لصالحها وحدها.
 

من هنا تبدأ الولايات المتحدة البحث عن صيغة جديدة للهيمنة، أقل كلفة وأكثر واقعية، وفي هذا السياق يمكن فهم مجلس السلام، وهو ما يحول غزة إلى سؤال مفتوح: هل هي ضحية نظام عالمي آفل، أم ساحة اختبار لنظام يُعاد تشكيله؟
بالرغم شيوع الاعتقاد بأن الولايات المتحدة في طريقها إلى الأفول، وهو خطاب يملأ الفضاء الرقمي، فإن سلوكها خلال العام الأخير يشير إلى أنها تعيد تموضعها بشكل هجومي أكثر منه تعبيراً عن الانهيار، فالسعي لتثبيت النفوذ في غرينلاند، الغنية بالمعادن والمتحكمة بالممر نحو القطب الشمالي، يهدف إلى منع التمدد الصيني والروسي، وهو سلوك لا ينطبق على إمبراطورية منهارة، وينسحب ذلك على فنزويلا في إطار استعادة السيطرة على نصف الكرة الغربي، كما أن إعادة تسعير العلاقة مع أوروبا والناتو ليست تخلياً عن التحالف، بل إعادة توزيع للأعباء.
ما تقوم به واشنطن يمكن قراءته كهجمة مرتدة لإعادة بناء السيادة الأميركية عبر الجغرافيا والاقتصاد والأمن، لا عبر خطاب النظام الدولي التقليدي، بما يؤكد أنها لا تنسحب من العالم، بل تعيد دخوله بشروط مختلفة، وهذا لا يمثل تخلي عن الناتو، ولا عن نقاط التموضع الأخرى، بل إعادة صياغته بشكل مختلف، هذا التحول سببه أن العولمة التي قادتها الولايات المتحدة أفادت الصين، التي تحولت إلى مصنع العالم، أكثر مما أفادت واشنطن نفسها، ما أعاد الأخيرة إلى أولوية السيادة الاقتصادية عبر التركيز على الطاقة والمعادن النادرة والممرات المائية وسلاسل الإمداد.
في هذا الإطار يظهر مجلس السلام، كمقدمة لإنشاء تحالفات دولية خارج البيروقراطية الأممية، رغم استناده الشكلي إلى شرعيتها، الخشية هنا أن تتحول مهمة المجلس من معالجة جذور الأزمة إلى إدارتها، بما يفرض الاستقرار على حساب العدالة، هذا يضع غزة في سياق فكرة «مدن الحرية» التي طرحها الاقتصادي بول رومر عام 2009، حيث تُدار المدن كما تُدار الشركات بعيداً عن الدولة ذات السيادة، وهو نموذج طُبّق في مدينة شينزين الصينية، ووفق هذا المنطق، يُطرح لغزة نموذج حوكمة تكنوقراطية لإعادة الإعمار ضمن نظام أمني خاص، بإشراف مجلس أمناء هو مجلس السلام، أي نموذج مدينة ذات قوانين استثنائية.
الخطر في هذا المسار أنه يحوّل غزة من قضية سياسية إلى مشروع إدارة، ومن شعب يطالب بحقوقه الوطنية إلى شعب يُظن أن مشكلاته تُحل بالخدمات، وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل هذه مرحلة انتقالية نحو الدولة أم بديل عنها؟ نعم، يمكن أن يؤدي هذا المسار إلى تصفية القضية الفلسطينية إذا فُصلت غزة عن الضفة سياسياً، وجُمّد الحديث عن الدولة، ورُبط الإعمار بنزع السلاح دون أفق سياسي، وتعامل مع الاحتلال كملف أمني لا قضية سياسية، لكن هذا ليس قدراً محتوماً، بل مسار قابل للمقاومة والتعديل، وهو ما قد يفسر دخول بعض الدول العربية في مجلس السلام، هذا الدخول لا يمكن قراءته بالتخوين أو التسطيح والتبسيط، فالكثير من الدول العربية ترى أن الحل هو حقوقي سياسي، لا يُغلق بالاقتصاد والإدارة.
من هنا، دخلت بعض الدول خشية ترك غزة تُدار دون حضور عربي، وفي محاولة لمنع خصخصة غزة والقضية الفلسطينية، والتأثير في شكل إدارتها، وضمان دخول المساعدات، بينما دخلت دول أخرى لإدارة علاقتها مع واشنطن، سواء لتخفيف كلفة الصدام أو للحفاظ على دور إقليمي.
هكذا يمكن القول إن بعض الدول العربية دخلت مكرهة، فيما دخلت أخرى محاولة أن تكون صمام أمان لمنع تصفية القضية الفلسطينية، عبر الحفاظ على وحدة غزة والضفة، وربط إدارة غزة بمرجعية سياسية واضحة، وتحديد سقف زمني للحكم الانتقالي، ورفض تحويل الإعمار إلى بديل عن الحقوق السياسية.
كل ذلك يضع غزة ضمن مشروع أمريكي أوسع، تتراوح فيه السيناريوهات بين أن تكون منطقة تُدار دولياً خارج السياسة، أو مختبراً جيوسياسياّ، أو واجهة لتحالف أميركي–دولي جديد يقوم على إدارة النفوذ لا السلام.
غزة اليوم ليست فقط تحت الأنقاض، بل تحت الاختبار: اختبار للنظام العالمي، وللدور العربي، وللقدرة على حماية السياسة والحقوق من الذوبان في الإدارة، فإذا جرى تحويلها إلى نموذج «مدينة بلا دولة»، فإن الصراع لن ينتهي، بل سيعود أكثر قسوة وتعقيداً، لأن الشعب الفلسطيني، ببساطة، لا ينوي الاستسلام.