° غرينلاند ورياح التغيير :
° غرينلاند ورياح التغيير :
-استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أطلقها ( ترامب ) مع تسلمه مقاليد السلطة بداية عام ( ٢٠٢٥ ) تمثلت بتطبيق مفهوم " أميركا اولا " ، وبإعادة رسم ملامح السياسة الخارجية والتي تتضمن زعزعة ( نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية ) الذي وضعته وقادته واشنطن ، وهيمنت من خلاله عسكريا واقتصاديا على العالم لعقود ، ومن ابرز بنود الاستراتيجية الجديدة تقويض العمليات الديمقراطية وإضعاف الاتحاد الأوروبي ، وتحويله إلى كيان ضعيف ومجزأ ، ما يُسهّل التعامل مع دوله ، ومنع توسيع حلف ( الناتو ) بما يخدم مصالح واشنطن بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي .
-من بوابة إضعاف الاتحاد الأوروبي ، كشف البيت الأبيض عن دراسة عدة خيارات للاستحواذ على جزيرة ( غرينلاند ) التي تتمتع بالحكم الذاتي من الدنمارك ، لأنها تمثل " حاجة أمنية " ، وأعلن ( الرئيس ترامب ) عن تعيين ( حاكم لويزيانا الجمهوري / جيف لاندري ) موفدا خاصا للجزيرة ، ولوّح بإمكانية استخدام الجيش الأمريكي ، وهدد بفرض تعرفة جمركية على الدول التي لا تتفق مع خطته بشأن ( غرينلاند ) ، وقرر فرض رسوم بنسبة ( ١٠٪ ) على : ( الدنمارك ، النرويج ، السويد ، فرنسا ، ألمانيا ، بريطانيا وهولندا ) ، ورفع هذه النسبة إلى ( ٢٥٪ ) خلال شهر (٢٠٢٦/٧) نظرا للموقف الاوروبي الرافض لضم غرينلاند للولايات المتحدة ، مؤكدا ان هذه الرسوم ستبقى على هذه الدول لحين التوصل لاتفاق بشأن " شراء غرينلاند " .
-ساهمت التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي بتصيعد التوتر، وأثارت قلق الأوروبيين المتزايد بشكل بالغ من أن يُهدّد ترامب بالتخلي تماما عن أوكرانيا للضغط على أوروبا بشأن غرينلاند ، واكدوا بقوة دعمهم المشترك لسيادة الدنمارك ، ورفض المساس بوضع جزيرة غرينلاند وسكانها ، ومن ابرز ردود الافعال الحادة لقادة دول الاتحاد الأوروبي :
. دعت ( رئيسة وزراء الدنمارك / ميته فريدريكسن ) واشنطن لوقف تهديداتها المهينة ضد " حليف تاريخي " ،مؤكدة أنه " إذا هاجم الأمريكيون دولة في الناتو فسينتهي كل شيء " ، وطلبت غرينلاند والدنمارك بعقد اجتماع مع ( وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ) بشكل عاجل ، وأعلنت القوات الدنماركية مواصلة تعزيز وجودها العسكري في ( غرينلاند ) خلال العام ( ٢٠٢٦ ) .
. انتقد ( ماكرون) خطابات ( ترامب ) العدائية واصفا إياها بأنها شكل من أشكال التنمر ، وحذر من الإجراءات الأوروبية المضادة المحتملة ، وأكد ( وزير الشؤون الخارجية الفرنسي / جان نويل بارو ) بأن باريس تعمل مع شركائها الأوروبيين على وضع خطة رد اذا نفذت الولايات المتحدة تهديدها بالاستيلاء على غرينلاند .
. قال ( المستشار الألماني / فريدريش ميرز ) أن لدى اوروبا مجموعة من الأدوات لا تريد استخدامها إلّا إذا اضطرت لذلك ، وحذر وزير الخارجية الألمانية من العبث بملف الجزيرة باعتباره تجاوزا للخطوط الحمراء .
. دعا ( رئيس الوزراء البلجيكي / بارت دي ويفر ) مع اقتراب الانتخابات النصفية في أمريكا ترامب للتراجع أو ستذهب أوروبا إلى ما هو أبعد من التصريحات بكثير .
. هدد بعض زعماء الاتحاد الأوروبي باستخدام أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي أو ( البازوكا التجارية ACI ) التي دخلت حيز التنفيذ رسمياً ( ٢٠٢٣/١٢/٢٧ ) ، وتعتبر أقوى سلاح اقتصادي وقانوني يمتلكه الاتحاد للرد على الضغوط الخارجية ،وفي بداية شهر (٢٠٢٦/١) درس وزراء مالية الاتحاد تفعيل هذه الأداة كخيار رئيسي للرد على تهديدات ( ترامب ) ، وتشتمل ( البازوكا ) على تدابير قوية ، تتضمن :
✓ تقييد وصول الشركات الأجنبية إلى السوق الموحدة ل( ٤٥٠ ) مليون مستهلك .
✓ منع الشركات الأجنبية من المشاركة في العطاءات الحكومية .
✓ فرض رسوم جمركية مرتفعة كحزمة انتقامية على الصادرات الأمريكية تصل إلى ( ٩٣ ) مليار يورو .
✓ فرض قيود على استيراد السلع والخدمات .
✓ تقليص الحماية القانونية لحقوق الملكية الفكرية للدول الهدف.
-خرج الالاف في غرينلاند في تظاهره ضخمة بعنون " غرينلاند ليست للبيع " بالتزامن مع زياده حده تهديدات ترامب ، بالوقت الذي بدأت به ( رئيسة الوزراء الدانماركية / ميته فريدريكسن ) بزيارة إلى نوك عاصمة غرينلاند (١/٢٤) لدعم سكانها ، واستقبلها ( رئيس الوزراء / ينس فريدريك نيلسن ) بجولة في العاصمة ، وتعهدت الدانمارك بتعزيز وجودها العسكري في القطب الشمالي .
-بعد لقاء ( الرئيس الأمريكي ) مع ( الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته ) خلال المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس ( ١/٢١ ) ، أعلن ترامب التوصل لاتفاق إطار برعاية الناتو ، حيث تراجع عن فكرة السيطرة بالقوة على غرينلاند ، لصالح التفاوض حول معاهدة الدفاع لعام ( ١٩٥١ ) التي منحت الولايات المتحدة دورًا هامًا في الدفاع عن غرينلاند ، وسمحت لها بإنشاء قواعد عسكرية ، وكانت قد أغلقت الولايات المتحدة جميع قواعدها باستثناء قاعدة ( ثول الجوية أو بيتوفيك الفضائية ) ، وأكد ( روته ) أنه لم يبحث خلال الاجتماع السيادة الدانماركية على غرينلاند ، وأن تفكير ترامب يتركز بشدة حول ما يجب فعله لضمان حماية المنطقة القطبية بسبب التطورات المتسارعة والنشاط الصينيي والروسي المتزايد . المفارقة الكبيرة خلال منتدى دافوس هو قيام ( حاكم كاليفورنيا / غافين نيوسوم ) بتوجيه رسالة قوية للقادة الأوروبيين ، داعيًا للتوقف عن التواطؤ والوقوف بحزم بوجه سياسات ترامب ، وانتقد ما وصفه ب " الانبـطاح " السياسي ، معتبرًا أن ما يجري ليس دبلوماسية بل استسلام ، وأكد أن أوروبا مطالبة بالتمسك بالمبادئ ، والوقوف موحّدة ، بدل الاكتفاء بردود فعل خجولة .
-رغم اعلان ترامب التوصل لاتفاق برعاية الناتو في دافوس ، ورغم تهديد مشرعين ديمقراطيين وجمهوريين استعدادهم لعزل ترامب في حال التدخل عسكرياً في غرينلاند دون الرجوع للكونغرس ، الا أن التقارير الإعلامية تؤكد أن الإدارة الأمريكية لم تتراجع عن خططها المتعلقة بالسيطرة على غرينلاند ، وأن الخيار العسكري يظل حاضرا ضمن هذه الخطط ، والسؤال الذي يبقى مطروحا بقوة هو، هل يقاوم ترامب " الفكرة المغوية" للسيطرة عسكريا على غرينلاند البالغ مساحتها ( 2166086 ) كم٢ ، إذ علاوة على البعد العسكري والامني لثاني أكبر جزيرة على وجه الكرة الأرضية بعد استراليا ، فإن عدد السكان قُدّر ب ( 56,831 ) نسمة فقط عام ( 2025 ) ، وتحتوي على ثروة هائلة من الموارد الطبيعية ؛أكثر من (٣٠) مليار برميل من النفط، ( ١٤٨ ) تريليون قدم٣ من الغاز ، الزنك ، الذهب، الحديد ، الماس ، المعادن النادرة گ: الليثيوم ، النيوبيوم والتانتالوم المستخدمة في التكنولوجيا المتقدمة ، إلى جانب كميات ضخمة من المياه العذبة ، فهل تقاوم الإدارة الأمريكية كل هذا الاغراء ، في ظل نظام عالمي متغير ، يسعى فيه أقطاب النظام الجدد للسيطرة على مصادر الطاقة والثروات والمعادن النادرة ؟
اسعد بني عطا