عقيدة 2026: إعادة هيكلة الإمبراطورية وحماية القلعة الأمريكية
تجسد الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية لعام 2026 نقطة تحول مفصلية في تاريخ العقيدة العسكرية للولايات المتحدة. تعكس الوثيقة ترجمة عسكرية حازمة لشعار "أمريكا أولاً" من خلال حماية القلعة الأمريكية وتأمين المجال الحيوي المباشر. توسع مفهوم التهديد ليشمل محاربة تدفق المخدرات والجرائم العابرة للحدود كأولوية دفاعية قصوى توازي خطر الصواريخ البالستية. استشعرت واشنطن تمدد أذرع المنافسين الدوليين من روسيا والصين وإيران في مناطق نفوذها من كندا إلى الأرجنتين. دفع هذا الاكتشاف الإدارة نحو "انكفاء دفاعي" لإعادة ترتيب البيت القاري ومواجهة التسلل الجيوسياسي في الحديقة الخلفية لأمريكا. تمنح الاستراتيجية الأولوية للحفاظ على القارة الأمريكية قبل أي تدخلات عسكرية كبرى وراء البحار.
لم تتخلَّ أمريكا عن حلفائها التقليديين في أوروبا أو غيرها لكنها أوقفت تماماً سياسة الصرف المالي وميزانيات الدفاع الضخمة. انتهى عصر الشيكات المفتوحة لتأمين الآخرين وانتقلت واشنطن لدور "الراعي" التكنولوجي والاستراتيجي بدلاً من الممول العسكري. تهدف هذه السياسة إلى إنهاء حالة "الكسل الدفاعي" التي ميزت معظم الحلفاء لاعتمادهم التاريخي على المظلة الأمريكية بدلاً من بناء قوتهم الخاصة. استثنت الوثيقة الكيان الصهيوني من هذا الوصف واعتبرته نموذجاً قادراً على الدفاع عن نفسه وبناء قوته الرادعة ذاتياً. يمثل هذا النموذج المعيار الجديد الذي تفرضه واشنطن على بقية حلفائها لتعزيز قدراتهم برعايتها ومن ميزانياتهم الخاصة.
نجحت الإدارة في صهر المؤسسة العسكرية والبنتاغون داخل بوتقة الاستراتيجية السياسية للرئيس ترامب. تحولت العقيدة القتالية للجيش الأمريكي من خوض حروب استنزاف طويلة إلى قوة مرنة تخدم الأهداف الاقتصادية والأمنية المباشرة. أصبحت العسكرية الأمريكية أداة تنفيذية لسياسة "الواقعية السياسية" التي تنتهجها الإدارة الحالية بشكل فعلي ومفاجئ للجميع. لا تعد استراتيجية 2026 انسحاباً من العالم بل هي إعادة هيكلة جذرية للكلفة والأدوار. تدير أمريكا اليوم المشهد الدولي بأسلوب التحكم عن بعد تاركةً للحلفاء عبء الميدان المالي والعسكري. تتفرغ واشنطن حالياً لترميم جبهتها الداخلية ومواجهة خصومها في عقر دارهم القاري كواقع مفروض منذ تولي ترامب الرئاسة.
كتب محسن الشوبكي