لقاء ملكي يعزز التنسيق السياسي وأولوية الإصلاح البرلماني
لقاء ملكي يعزز التنسيق السياسي وأولوية الإصلاح البرلماني
د. خالد العاص
يعكس اللقاء الذي جمع جلالة الملك عبد الله الثاني بأعضاء المكتب الدائم لمجلس النواب، في قصر الحسينية، إدراكًا عميقًا لطبيعة المرحلة التي تمر بها الدولة الأردنية، حيث لم يعد الحفاظ على الاستقرار كافيًا بحد ذاته، بل بات مشروطًا بقدرة النظام السياسي على تجديد أدواته وتعزيز فاعلية مؤسساته الدستورية. وفي هذا السياق، يبرز التكامل بين السلطات بوصفه ركيزة أساسية لضمان توازن الإصلاح مع متطلبات الاستقرار.
إن التأكيد المستمر من قبل جلالة الملك على تطوير العمل الحزبي لا يمكن قراءته مجرد دعوة تنظيمية، بل يمثل تحولًا في الفلسفة السياسية للدولة، يسعى إلى نقل الممارسة السياسية من إطارها التقليدي القائم على الفردية والتمثيل الشكلي، إلى فضاء حزبي برامجي قادر على إنتاج نخب سياسية مؤهلة. غير أن هذا الطموح يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مدى قدرة البيئة التشريعية والثقافة السياسية السائدة على استيعاب هذا التحول، وتحويله من رؤية نظرية إلى ممارسة سياسية راسخة.
كما تعكس الدعوة إلى تنسيق فعّال بين مجلس النواب والحكومة ومجلس الأعيان وعيًا رسميًا بأن الخلل في الأداء العام لا يرتبط دومًا بغياب الرؤى، بل غالبًا ما ينتج عن فجوات في التنسيق وتداخل في الصلاحيات. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الدعوة إلى الانسجام المؤسسي بحد ذاته، بل في ترجمة هذا الانسجام إلى سياسات عامة قابلة للتنفيذ، تخضع للمساءلة وتُقاس بنتائجها على حياة المواطنين.
أما على المستوى الإقليمي، فإن الرؤية الملكية تنطلق من مقاربة واقعية تدرك محدودية الخيارات في محيط مضطرب، وتُراهن على الاستقرار الداخلي كخط الدفاع الأول في مواجهة التداعيات الخارجية. إلا أن هذه المقاربة، رغم وجاهتها، تضع الداخل الأردني أمام اختبار مستمر؛ فتعزيز الجبهة الداخلية لا يتحقق فقط عبر الخطاب السياسي أو التوازن الدبلوماسي، بل يتطلب إصلاحات ملموسة تعزز الثقة الشعبية وتخفف من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وفي ما يتعلق بالدور البرلماني، فإن إعادة التأكيد على خدمة المواطن باعتبارها جوهر العمل التشريعي والرقابي تعكس إدراكًا متزايدًا للفجوة بين الأداء البرلماني وتوقعات الشارع. فالمواطن الأردني، في ظل التحديات المعيشية، بات أكثر ميلًا إلى تقييم المؤسسات من خلال قدرتها على إنتاج حلول واقعية، لا الاكتفاء بالخطاب الإصلاحي أو المواقف السياسية العامة.
في المحصلة، يمكن القول إن المشهد السياسي الأردني يشهد إعادة ترتيب دقيقة للأولويات، تقودها رؤية ملكية تسعى إلى تحقيق معادلة صعبة تجمع بين الإصلاح التدريجي والاستقرار السياسي. غير أن نجاح هذه المعادلة يظل مرهونًا بقدرة المؤسسات على الانتقال من مرحلة التوافق النظري إلى مرحلة الإنجاز العملي، بما يرسخ نموذجًا سياسيًا قادرًا على الصمود داخليًا، والتكيف مع التحولات الإقليمية، دون المساس بثوابت الدولة أو تعطيل مسار التحديث.