تدريب المنتخبين محليًا كمدخل للإصلاح الإداري: قراءة في التجربة الفرنسية
عماد عبدالقادر عمرو
يتجدد بعد كل انتخابات محلية النقاش حول مدى جاهزية المنتخبين لإدارة البلديات ومجالس المحافظات. وغالبًا ما يُطرح هذا النقاش من منطلق الحرص على كفاءة الأداء وحسن إدارة المال العام، لا بدافع التشكيك بالعملية الديمقراطية ذاتها. فوجود فجوات في الخبرة الإدارية أو المالية لدى بعض المنتخبين أمر واقعي، ولا يمكن إنكاره أو تجاوزه.
غير أن الإشكالية لا تكمن في تشخيص هذا الواقع، بل في كيفية التعامل معه. ففي مراحل سابقة، جرى توظيف نقص الخبرة كمبرر لتقييد الصلاحيات وتعزيز المركزية، ما أضعف الدور الفعلي للمجالس المنتخبة، وأثر سلبًا على ثقة المواطنين بها. والحال أن معالجة هذا التحدي عبر تقليص الدور الديمقراطي لا تمثل حلًا حقيقيًا، بقدر ما تعكس عجزًا عن معالجة جوهر المشكلة.
في المقابل، تقدم التجربة الفرنسية نموذجًا مختلفًا في التعامل مع هذا التحدي. فهناك، لا يُنظر إلى قلة الخبرة لدى المنتخب المحلي بوصفها خللًا في الديمقراطية، بل باعتبارها معطى طبيعيًا يستدعي المعالجة بالتأهيل لا بالوصاية. فالشرعية يمنحها صندوق الاقتراع، أما الكفاءة فمسؤولية تُبنى عبر التدريب والدعم المؤسسي.
يعتمد هذا النموذج على تدريب إلزامي ومنهجي للمنتخبين المحليين، تُصمم برامجه وفق طبيعة الموقع والمسؤولية، وتشمل الجوانب القانونية والمالية والإدارية، إضافة إلى مبادئ النزاهة وأخلاقيات الوظيفة العامة. ولا يُنظر إلى هذا التدريب كإجراء شكلي أو ظرفي، بل كجزء أصيل من منظومة الحكم المحلي، وأحد مرتكزات المساءلة العادلة القائمة على وضوح الصلاحيات والواجبات.
ومن الضروري هنا التمييز بوضوح بين نقص الخبرة، وهو أمر يمكن تجاوزه بالتأهيل، وبين الفساد أو سوء استخدام السلطة، وهو أمر لا علاقة له بالتدريب ويجب أن يُواجه بأدوات المساءلة القانونية دون أي تهاون. بل إن رفع مستوى التأهيل يساهم عمليًا في تضييق هامش الخطأ، ويعزز وضوح المسؤوليات، ويقوي منظومة النزاهة والرقابة.
في السياق الأردني، يُعد تدريب وتأهيل الكوادر البشرية أحد المسارات الأساسية للإصلاح الإداري، وقد حظي هذا الملف باهتمام متزايد خلال السنوات الأخيرة. وفي عهد دولة الدكتور جعفر حسان، شهد هذا المسار تسريعًا ملموسًا، انسجامًا مع التوجيهات الملكية السامية التي أكدت مرارًا أن بناء الإنسان هو الأساس لأي إصلاح مؤسسي مستدام.
ومن خلال تجربتي الشخصية في مجلس محافظة العقبة، وبعد تملّك مقرّ خاص للمجلس، جرى تخصيص قاعة مستقلة كمركز تدريب لأعضاء مجلس المحافظة والموظفين، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التدريب يشكّل الأساس الحقيقي لعملية التنمية والإصلاح الإداري، وليس إجراءً ثانويًا أو شكليًا.
وتبرز هنا فرصة حقيقية لربط مسار الإصلاح الإداري بمسار تطوير الحكم المحلي، بحيث لا يُنظر إلى التدريب كإجراء منفصل، بل كجزء من منظومة متكاملة تشمل التشريع، وبناء القدرات، وتوضيح الصلاحيات، وتحديث أدوات العمل. فالقانون، مهما بلغ من التطور، يبقى محدود الأثر إذا لم يُرافقه تأهيل فعلي للجهات المنفذة.
إن حماية الديمقراطية المحلية لا تتحقق بتقييد أدوار المجالس المنتخبة، بل بتمكينها بالمعرفة والأدوات اللازمة لأداء مهامها. وجعل التدريب شرطًا مكمّلًا لممارسة الصلاحيات الحساسة لا ينتقص من شرعية المنتخب، بل يعززها، ويخدم المصلحة العامة، ويعيد بناء ثقة المواطن بالمؤسسات المحلية.
وفي الخلاصة، لا تعارض بين اللامركزية والكفاءة، ولا تناقض بين التمثيل الشعبي والإصلاح الإداري. بل إن الجمع بينهما، عبر الاستثمار الجاد في تدريب وتأهيل المنتخبين محليًا، هو المسار الأكثر توازنًا واستدامة. فالديمقراطية المحلية لا تُحمى بالوصاية، ولا تُقوّى بتقليص الصلاحيات، بل ببناء القدرات ضمن إطار مؤسسي واضح ومسؤول، وهو ما ينسجم مع التوجه الإصلاحي الذي تسعى الدولة الأردنية إلى ترسيخه.
رئيس مجلس محافظة العقبة سابقًا