اليسار الإسرائيلي ضدّ الاستيطان في الضفة الغربية٠
يوضح د / جوني منصور حقيقة المواقف لليسار الإسرائيلي اتجاه الاستيطان في الضفة الغربية، في هذا اللقاء يكشف أيضا ماهية اليسار في المجتمع الأسرائيلي٠
حاوره: سليم النجار٠
س- كيف ينظر اليسار الأسرائيلي للإستيطان الأسرائيلي في الضفة الغربية؟
ج- موقف اليسار الإسرائيلي من النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية شديد الانتقاد والسلبية، إذ يعتبره عقبة رئيسية أمام السلام، وانتهاكًا لأمن إسرائيل على المدى البعيد، وعملاً ينتهك الديمقراطية والقانون الدولي.
من المهم الإشارة هنا إلى وجود تيارات مختلفة داخل اليسار الإسرائيلي، لكن أبرز مواقفه هي:
أ. عقبة أمام السلام وحل الدولتين
انتهاكٌ للوحدة الجغرافية: يرى اليسار أن المستوطنات، وخاصة تلك المعزولة عن التجمعات الاستيطانية الكبرى، عاملٌ يحول دون قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة.
تجميد العملية السياسية: يُنظر إلى توسيع المستوطنات، وبناء البنية التحتية (الطرق الالتفافية المخصصة لخدمتها دون الفلسطينيين)، وإنشاء البؤر الاستيطانية، على أنها عرقلةٌ مُتعمّدة لفرصة حل الدولتين، الذي يُمثّل الأيديولوجية المركزية للتيار الصهيوني اليساري.
ب. الموقف القانوني والديمقراطي
الوضع القانوني: ينظر اليسار الصهيوني إلى المستوطنات (باستثناء الكتل الاستيطانية التي سيتم الاتفاق على حدودها عبر المفاوضات) على أنها نشاط ينتهك القانون الدولي (كما أقره المجتمع الدولي، على سبيل المثال وفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة) ويضر بصورة إسرائيل الدولية.
الضرر الذي يلحق بالديمقراطية: يُزعم أن وجود المستوطنات في أراضٍ لا تخضع للسيادة الإسرائيلية الكاملة يخلق حالة من التمييز وعدم المساواة بين المواطنين الإسرائيليين (المستوطنين الذين يتمتعون بالقانون المدني) والسكان الفلسطينيين (الخاضعين لحكم عسكري)، وهو وضع يُشار إليه، وفقًا لبعض أطياف اليسار الراديكالي، بـ"الفصل العنصري" أو "نظام الهيمنة اليهودية". او الابارتهايد.
ج. لاعتبارات الأمنية
العبء الأمني: يزعم اليسار أن المستوطنات، بدلًا من تعزيز الأمن، تُلقي عبئًا أمنيًا على جيش الاحتلال الإسرائيلي، المُلزم بحماية السكان المدنيين الذين يعيشون في قلب منطقة معادية، ويتطلب موارد كبيرة من الجنود والعتاد.
الأمن الديموغرافي: الحجة الديموغرافية التقليدية في اليسار الصهيوني هي أن ضم الأراضي المأهولة بالفلسطينيين سيضر بالأغلبية اليهودية في إسرائيل ويحولها إلى دولة ثنائية القومية، مما يهدد طابعها اليهودي والديمقراطي وينسف دواعي اقامتها.
مواقف اليسار على تياراته المختلفة:
اليسار الصهيوني المعتدل (ميرتس، حزب العمل سابقًا): يؤيد إخلاء معظم المستوطنات (باستثناء الكتل الكبيرة)، مقابل إقامة مستوطنة دائمة أو كشرط للعودة إلى طاولة المفاوضات. وقد تبلور هذا الموقف تاريخيًا خلال حكومة رابين، عندما تقرر إبقاء الكتل الاستيطانية على الجانب الإسرائيلي .
اليسار الراديكالي/غير الصهيوني: يعارض أي شكل من أشكال الاستيطان، بما في ذلك الكتل، ويرى أنها جزء لا يتجزأ من مشروع الاستيطان الاستعماري. وتدعو بعض الجماعات في هذا اليسار إلى التفكيك الكامل لنظام الاحتلال والاستيطان وإقامة دولة لجميع مواطنيها.
س- ما موقف اليسار في اسرائيل من الأسرى الفلسطنيين في سجون الأحتلال الأسرائيلي؟
ج- يُعدّ موقف اليسار الإسرائيلي من الأسرى الفلسطينيين في السجون قضية معقدة ومثيرة للجدل، ويختلف باختلاف التيار السياسي داخل اليسار:
أ.يسار الوسط (الصهيونية المعتدلة - حزب العمل السابق، ميرتس)
يتخذ يسار الوسط موقفًا متوازنًا نسبيًا:
الاعتراف بضرورة الأمن: يُقرّ هذا التيار بشرعية اعتقال وإدانة الفلسطينيين المتورطين في أعمال إرهابية (حسب القاموس الاسرائيلي عموما)، وإلحاق الأذى بالمدنيين الإسرائيليين. ولا يدعو إلى الإفراج الشامل عن هؤلاء الأسرى.
وضع الأسرى: يطالب هذا التيار بالالتزام الصارم بحقوق الأسرى وفقًا للاتفاقيات الدولية (مثل اتفاقية جنيف الرابعة)، بما في ذلك توفير ظروف احتجاز مناسبة، ورعاية طبية ملائمة، وإجراءات قانونية عادلة.
الأسرى الإداريون: هناك انتقادات حادة للاستخدام الواسع النطاق للاعتقال الإداري (السجن دون محاكمة بناءً على معلومات سرية)، ودعوة إلى تقليص استخدام هذه الأداة بشكل كبير.
ورقة ضغط في المفاوضات: سياسياً، يرى تيار يسار الوسط إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين جزءاً من تسوية سياسية مستقبلية، وأداةً حيويةً لتعزيز السلطة الفلسطينية ودفع عملية السلام.
ب.. اليسار الراديكالي (غير الصهيوني والمعارض للاحتلال)
يتبنى هذا التيار موقفاً أكثر تشدداً، وينظر إلى الأسرى الفلسطينيين على أنهم "أسرى حرية" أو "أسرى رأي":
الاعتراف بالدوافع: يُزعم أن معظم الأسرى احتُجزوا أو اعتُقلوا بسبب أعمال نابعة من مقاومة الاحتلال والسيطرة العسكرية الإسرائيلية، وبالتالي فهم ليسوا مجرمين عاديين.
إلغاء نظام السجون: يدعو هذا التيار إلى الإلغاء الكامل لنظام السجون الفلسطيني الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، زاعماً أنه يخدم استمرار القمع والاحتلال. لكن بعد حرب الابادة ظهر فيهم من يؤيد ابقائها.
مسؤولية إسرائيل: يؤكد اليسار الراديكالي أن مسؤولية الوضع الصعب للأسرى (بما في ذلك الإضرابات عن الطعام) تقع على عاتق السياسة الإسرائيلية ونظام القضاء العسكري في الأراضي المحتلة، والذي يُنظر إليه على أنه غير ديمقراطي وغير عادل.
ج. الموقف من أموال السلطة الفلسطينية (مدفوعات الأسر)
توجد أيضًا اختلافات جوهرية في الآراء حول هذه القضية:
يسار الوسط (أو جزء منه): يُقرّ بأن دفع رواتب الأسرى (أو أسرهم) مسألة حساسة وعائق سياسي، ولكنه يُدرك أن وقف المدفوعات تمامًا قد يُؤدي إلى انهيار السلطة الفلسطينية وبالتالي الى تصعيد أمني. وعادةً ما يُطالب بتغيير آلية الدفع، لكنه يُعارض وقفها الشامل.
اليمين ويمين الوسط: يُعارضان هذه المدفوعات بشدة، لأنهما يعتبرانها تشجيعًا للإرهاب.
اليسار الراديكالي: يرى هذه المدفوعات التزامًا على السلطة الفلسطينية تجاه من شاركوا في النضال الوطني، ويُعارض تجميد إسرائيل للأموال الضريبية بسببها.
س- أين موقف اليسار من المتطرف اليميني بن غفير ودعواته بقتل الفلسطنيين واعدام الأسرى؟
ج- موقف اليسار الإسرائيلي تجاه بن غفير وحزبه "عوتسما يهوديت" (العظمة اليهودية) وتصريحاته المتطرفة (مثل دعواته للإعدامات، وإلحاق الأذى بالفلسطينيين، وتشديد ظروف الأسرى وبناء سجون تحيطها تماسيح)) هو رفض قاطع وإدانة شديدة، واعتباره خطرًا حقيقيًا على الديمقراطية والعدالة وأمن الدولة.
وتستند المعارضة إلى عدة مستويات رئيسية:
أ.. خطر على الديمقراطية وسيادة القانون
الإضرار بالأقليات: يرى اليسار في بن غفير رمزًا لأيديولوجية عنصرية وفاشية تسعى إلى المساس بحقوق الأقلية العربية (مواطني إسرائيل) والفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
معارضة جوهر القانون: تُعتبر الدعوات إلى الإعدام الجماعي للإرهابيين، أو المطالب بتغيير القوانين بما يضر بالحقوق الأساسية (كحرية التعبير أو الحق في محاكمة عادلة)، محاولةً لتقويض سيادة القانون والأسس الليبرالية للديمقراطية الإسرائيلية.
التحريض والعنف: يتهم اليسار بن غفير بالتحريض على العنف ضد الفلسطينيين والشخصيات السياسية والاجتماعية في إسرائيل (بما في ذلك شخصيات بارزة في القضاء وقوات الأمن).
ب. تقويض الأمن والمكانة الدولية
تصعيد العنف: يزعم اليسار أن تصرفات بن غفير الاستفزازية (مثل الاقتحامات المخطط لها إلى المسجد الأقصى المبارك) ودعواته المتطرفة تغذي العنف وتُعرقل جهود قوات الأمن لتهدئة المنطقة، مما يُعرّض الأرواح للخطر.
العزلة الدولية: يزعم اليسار أن وجود بن غفير في مناصب حكومية رئيسية يعزل إسرائيل على الساحة الدولية، ويُضر بالعلاقات مع الإدارة الأمريكية، ويُضعف شرعية سياسات إسرائيل.
إضعاف المؤسسة الأمنية: تُعتبر محاولات بن غفير استخدام نفوذه السياسي للتأثير على القرارات العملياتية للشرطة أو المؤسسة الأمنية تدخلاً سياسياً غير لائق وتهديداً لحياد هذه الأجهزة.
ج. الموقف من الدعوات إلى الإعدام
المعارضة المبدئية: يعارض اليسار الإعدام من حيث المبدأ، حتى في حالة الإرهابيين (أي المناضلين الفلسطينيين) المدانين بالقتل. يستند هذا الموقف إلى رؤية إنسانية وعالمية، وإلى الخوف من "العدالة السريعة" التي لا يمكن تصحيحها في حال وقوع خطأ قانوني.
التاريخ القانوني: لا تُنفذ إسرائيل أحكام الإعدام (باستثناء قانون طُبق في قضية النازي الالماني ادولف أيخمان). ويرى اليسار أن محاولات إعادة العمل بعقوبة الإعدام (حتى لو كانت محدودة) خطوة رجعية غير لائقة بدولة غربية تصنف نفسها انها ديموقراطية.
س- هل يؤمن اليسار بالقدس إسرائيل الأبدية؟
ج- موقف اليسار الإسرائيلي من القدس معقد ومتعدد الأوجه، ويتأثر بشدة بالحاجة إلى إيجاد حل سياسي قابل للتطبيق. والجواب ببساطة هو أن اليسار الصهيوني يؤمن بالقدس عاصمةً أبديةً لإسرائيل، ولكن ليس ضمن حدودها البلدية الحالية.
فيما يلي تفصيل لمواقف اليسار من القدس:
أ. الاعتراف بالقدس عاصمةً أبديةً لإسرائيل
القدس الغربية: يكاد لا يوجد خلاف بين جميع تيارات اليسار الصهيوني على أن القدس الغربية (المنطقة التي كانت تحت السيطرة الإسرائيلية قبل حرب حزيران 1967) هي العاصمة المتفق عليها لدولة إسرائيل.
الرابط التاريخي والديني: يُقر اليسار بالأهمية التاريخية والدينية والثقافية للقدس بالنسبة للشعب اليهودي.
ب. حل "القدس المقسمة" (كعاصمة لدولتين)
يدعم التيار الوسطي لليسار الإسرائيلي (مثل حزب العمل السابق، ميرتس) حلاً يسمح بتقسيم القدس كجزء من تسوية دائمة، استنادًا إلى مبدأ "عاصمتين لشعبين":
القدس الشرقية عاصمةً لفلسطين: يطالب اليسار، وهو على استعداد للاعتراف بالأحياء العربية في القدس الشرقية (التي ضُمت إلى إسرائيل بعد عام ١٩٦٧) عاصمةً للدولة الفلسطينية المستقبلية (التي يُشار إليها أحيانًا باسم "القدس").
الترتيب الجغرافي والديموغرافي: يطمح اليسار إلى إجراء تعديلات حدودية تعكس الواقع الديموغرافي، أي فصل الأحياء العربية التي ضُمت إلى إسرائيل، وترك الأحياء اليهودية (في القدس الشرقية) تحت السيطرة الإسرائيلية.
أهمية حل الدولتين: يرى اليسار أن التخلي عن الأحياء العربية في القدس الشرقية ضروري للحفاظ على الأغلبية اليهودية والطابع الديمقراطي لإسرائيل.
ج. وضع الأماكن المقدسة
حائط البراق والحي اليهودي: يرى اليسار أن الأماكن المقدسة لليهودية، كحائط البراق(حسب المزاعم الاسرائيلية والصهيونية) والحي اليهودي، يجب أن تبقى تحت السيادة الإسرائيلية.
الحرم القدسي/الحرم الشريف: هذه هي النقطة الأكثر حساسية. عادةً ما يدعم موقف اليسار ترتيبًا خاصًا يحافظ على الوضع الديني السياسي الراهن، أو يُنشئ آلية إدارة مشتركة/دولية لإدارة المجمع، مع الاعتراف بحقوق الفلسطينيين والأوقاف الإسلامية.
د. اليسار الراديكالي (غير الصهيوني)
يعارض اليسار الراديكالي (جماعات مناهضة الاحتلال) أي تقسيم يعتبره "تطهيرًا عرقيًا"، ويدعو عمومًا إلى دولة واحدة (أو دولة لجميع مواطنيها) وعاصمتها القدس. مع ذلك، لا يُمثل هذا الموقف الرأي السائد في النظام السياسي الإسرائيلي.
س- حكومة نتياهو حاليا وقبل ذلك تقوم بتصفية الصحفيين الفلسطينيين في غزة والضفة ما هو موقف اليسار من هذه الجرائم؟
ج- موقف اليسار الإسرائيلي من مزاعم إلحاق الأذى المتعمد (أو الاغتيال و"التصفية") بالصحفيين الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية موقفٌ حاسم، ويطالب بالتحقيق، ويدين أي اعتداء غير قانوني.
من المهم الإشارة إلى أن النظام السياسي في إسرائيل (بما في ذلك اليسار) ينفي تمامًا مزاعم وجود سياسة حكومية متعمدة لـ"تصفية" الصحفيين، ويعتبرها دعاية أو تضليلًا. مع ذلك، هناك انتقادات لاذعة للحالات الفردية التي تعرض فيها صحفيون للأذى:
أ. المطالبة بالتحقيق والتحقيق
الإصرار على الشفافية: يطالب اليسار بإجراء تحقيقات داخلية كاملة وشاملة وشفافة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية التابعة له في كل حالة يتعرض فيها صحفي فلسطيني أو أجنبي للأذى أثناء عملية عسكرية.
المطالبة بالمراجعة الذاتية: يرى اليسار أن نظام التحقيق الداخلي في جيش الاحتلال الإسرائيلي غير كافٍ ولا يؤدي دائمًا إلى تحقيق العدالة، ويدعو إلى إنشاء هيئات خارجية أو مستقلة للنظر في هذه الحالات.
أهمية التوثيق: يُقرّ اليسار بأهمية عمل الصحفيين، بمن فيهم الفلسطينيون، في توثيق الأحداث على أرض الواقع، ولذلك يُعتبر إلحاق الأذى بهم انتهاكًا لحرية الصحافة وحق الجمهور في المعرفة.
ب. وضع الصحفيين والاتفاقيات الدولية
الاعتراف بالحماية: يُشدد اليسار على التزام إسرائيل بالامتثال للقانون الدولي واتفاقيات جنيف فيما يتعلق بحماية الصحفيين بصفتهم مدنيين غير متورطين (ما لم يُثبت مشاركتهم الفعّالة في الأعمال العدائية).
انتقاد قواعد إطلاق النار: في كثير من الحالات، ينتقد اليسار قواعد إطلاق النار بحجة أنها فضفاضة للغاية أو تُطبق بإهمال، لا سيما في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان أو أثناء المظاهرات.
ج. الإشارة إلى حالات محددة
قضية شيرين أبو عاقلة (في جنين - الضفة الغربية): أدان اليسار السياسي والمدني بشدة مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة مراسلة قناة الجزيرة، وحث الحكومة على التعاون الكامل مع التحقيقات الخارجية والاعتراف بمسؤولية الجيش (حتى لو كان خطأً عملياتيًا) واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد المسؤولين.
العمليات العسكرية في غزة: مع كل جولة قتال، يعرب اليسار عن قلقه البالغ إزاء العدد الكبير من الصحفيين الذين قُتلوا في غزة، ويؤكد على ضرورة اتخاذ جيش الاحتلال الإسرائيلي تدابير احترازية مشددة لتجنب إلحاق الضرر بالبنية التحتية الإعلامية أو العاملين في مجال الإعلام. وهذه مواقف ليست قاطعة بالنسبة لهذه القضية، إذ ان فكرة الارهاب ملصقة بعدد من الصحافيين الفلسطينيين حتى على يد اليسار الاسرائيلي.
س- هل يمتلك اليسار الأسرائيلي خطاب ثقافي واضح اتجاه الأدب الأسرائيلي العنصري؟
ج- يُحافظ اليسار الإسرائيلي، ولا سيما المؤسسة الأكاديمية والثقافية المرتبطة به، على خطاب ثقافي نشط ونقدي ومتطور بشأن العنصرية المنعكسة في الأدب الإسرائيلي، مع أن هذا الخطاب ليس متماسكًا أو موحدًا دائمًا.
أ. التركيز على النقد وإعادة النظر في الأدب
يُركز الخطاب اليساري، بقيادة الباحثين والكتاب والنقاد الأدبيين، على عدة محاور:
نقد "نظرة المحتل": هناك نقد لاذع للأدب الإسرائيلي الكلاسيكي والحديث الذي يُصوّر الشخصية الفلسطينية على أنها "الآخر"، أو "العدائي"، أو "البدائي"، أو "اللاإنساني"، أو الذي يُصوّر الاحتلال والواقع في الأراضي المحتلة بطريقة تُضفي طابعًا طبيعيًا على العنف والسيطرة.
نقد التراث الأدبي: ثمة محاولة لتفكيك التراث الأدبي الإسرائيلي الكلاسيكي (مثل بعض أعمال شاي عغنون، وموشيه شامير، وغيرهما) وإبراز كيف عكست هذه الأعمال أو خدمت الأيديولوجية الصهيونية المهيمنة، في حين طمس أو أسكت أصوات اليهود الشرقيين والعرب.
العنصرية العرقية ضد اليهود الشرقيين: يتناول الخطاب اليساري أيضاً الصور النمطية أو العنصرية التي تُصوّر شخصيات اليهود الشرقيين في الأدب الأشكنازي المهيمن (حيث يُصوّرون على أنهم "عنيفون" أو "شعبيون" أو "متخلفون")، ويتهم المؤسسة الأدبية بالإقصاء المستمر للمؤلفين الشرقيين.
ب. أهمية الأصوات المهمشة
يشجع اليسار الأدبي بنشاط الأعمال الأدبية التي تُعدّ ردًا مباشرًا على العنصرية الأدبية:
الأدب الفلسطيني: تُبذل جهود لترجمة أعمال كتّاب فلسطينيين (مثل إميل حبيبي وسلمان ناطور ومحمود درويش) والترويج لها ودمجها في الخطاب الأكاديمي والثقافي الإسرائيلي، كوسيلة لعرض "الوجه الآخر" للصراع.
الأدب المزراحي(الشرقي) الواعي: الترويج للكتاب والشعراء المزراحيين (مثل سامي شالوم شيتريت ورونيت ماتالون ويهودا شنهاب وروني سوميخ) الذين يطرحون بوعي ونقد قضايا الحرمان والعنصرية والإقصاء.
ج. أطر الخطاب (الأوساط الأكاديمية والثقافية)
الأوساط الأكاديمية: تُعدّ أقسام الأدب في الجامعات الإسرائيلية المكان الرئيسي الذي يُجرى فيه النقد ما بعد الاستعماري(بوست كولونياليزم) للأدب الإسرائيلي، باستخدام أدوات التحليل النظري التي نشأت في الولايات المتحدة وأوروبا.
دور النشر والمجلات: تُشكّل دور النشر الصغيرة والمجلات الثقافية (مثل "معات" و"معين" "كول")، المرتبطة باليسار الراديكالي والاجتماعي، منصةً لهذا الخطاب ولنشر أعمالٍ تتحدى الأعراف السائدة.
د. نقاط معقدة وجدلية
التوتر بين "العنصرية الكلاسيكية" و"الاحتلال": يدور نقاش داخلي حول ما إذا كان ينبغي التركيز على دراسة العنصرية ضد العرب (المرتبطة بالصراع والاحتلال) أو العنصرية العرقية ضد اليهود الشرقيين (المرتبطة بعلاقات القوة داخل المجتمع اليهودي)، حيث يتعارض الخطابان أو يتنافسان أحيانًا.
هـ. الصهيونية في مواجهة العالمية:
يُنظر إلى الخطاب النقدي من قِبل عناصر اليمين على أنه "معادٍ للصهيونية"، مما يضع اليساريين المهتمين بالحفاظ على الإطار الصهيوني في موقف دفاعي.
س- أين موقف اليسار الأسرائيلي من الصراع الطبقي في المجتمع الأسرائيلي الذي يتجلى بالسفرديم والأشكناز؟
ج- يُعدّ موقف اليسار الإسرائيلي من الصراع الطبقي والعرقي بين السفارديم (المزراحيين) والأشكناز من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية التي هزّت اليسار منذ قيام الدولة. ورغم محاولات اليسار الحالية للتغيير، إلا أنه لا يزال يحمل على عاتقه إرث حزب ماباي التاريخي، الحزب المسؤول إلى حد كبير عن خلق هذه الفجوات.
فيما يلي موقف اليسار والخطاب الدائر داخله:
أ. إرث الحرمان والمسؤولية التاريخية
اعتراف جزئي بالذنب: يُقرّ اليسار اليوم (حزب ميرتس، حزب العمل سابقًان حزب مباي) بأن المؤسسة التاريخية (التي كانت تتألف في معظمها من حزب العمال برئاسة بن غوريون، أي ماباي الأشكنازي) قد تعامل بتعالٍ وتمييز ضد المهاجرين من الشرق الأوسط، لا سيما في خمسينيات القرن الماضي (في إطار سياسات الهجرة والإسكان والإحالة إلى المناطق المهمشة).
ادعاء "التغيير": تزعم قيادة حزب العمل وحزب ميرتس في السنوات الأخيرة (عندما تولى قادة مزراحيون مثل أمير بيرتس وآفي غاباي قيادة حزب العمل) أن الحزب قد تجاوز "مرحلةً فارقةً" ويسعى لتصحيح الظلم التاريخي.
ب. النضال المزراحي واليسار الراديكالي
يأتي الخطاب الأكثر نقدًا حول التمييز العرقي من اليسار الراديكالي والأوساط غير الصهيونية، والتي لا تنتمي بالضرورة إلى أحزاب اليسار:
القوس الديمقراطي المزراحي(هكيشيت همزرحيت): اتهمت هذه الهيئات "اليسار الأشكنازي" بتجاهل النضال المزراحي (الشرقي) وتفضيل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على الصراع الطبقي الاجتماعي الداخلي.
"الطبقة البيضاء الصغيرة": يعكس هذا المصطلح النقدي (الذي أصبح مصطلحًا سياسيًا شائعًا) الادعاء بأن قيادة اليسار السياسي والاجتماعي لا تزال في معظمها أشكنازية، وتجد صعوبة في فهم أو تمثيل احتياجات ومعاناة الطبقات المزراحية والاجتماعية المهمشة.
الإصلاح الاجتماعي: تطالب هذه الحركات بإصلاح اجتماعي جذري لا يقتصر على التغيير الاقتصادي (العدالة التوزيعية) فحسب، بل يشمل أيضًا تغييرًا ثقافيًا وسياسيًا يمنح الثقافة والتاريخ والهوية المزراحية مساحة متساوية.
ج. الموقف الحالي: التركيز على القضايا الاجتماعية
في السنوات الأخيرة، سعى اليسار السياسي إلى توسيع نطاق برنامجه ليتناول بشكل مباشر قضايا الطبقة والعرق:
تقليص الفجوات: يدعم اليسار من حيث المبدأ سياسة العدالة التوزيعية - الاستثمار في التعليم والإسكان العام والرعاية الصحية في المناطق المهمشة(اي البعيدة عن المراكز الحضرية)، كوسيلة لتقليص الفجوات القائمة على أساس عرقي وطبقي.
التمثيل والتنوع: هناك جهد واعٍ لوضع المرشحين المزراحيين في مواقع واقعية على قوائم اليسار، اعترافًا بأن "نضال المزراحيين ليس نضالًا وراثيا"، بل هو نضال سياسي يتطلب تمثيلًا.
س- قامت حكومة الأحتلال الأسرائيلي عام ١٩٤٨ بسرقة (٣٠) ألف كتاب من البيوت الفلسطينية وهناك (٦) ألف كتاب موجود عندهم في مكتبهم الوطنية ما هو موقف اليسار الأسرائيلي من هذه السرقات؟
ج- تُعدّ قضية الكتب المفقودة أو التي تم وضع اليد عليها (كما كانت تُسمى في الأوساط البيروقراطية الإسرائيلية) من أشدّ الانتقادات الموجهة للسياسة الإسرائيلية خلال النكبة والسنوات التي تلتها.
أ. اعتراف اليسار وانتقاده
يُعرّف اليسار الإسرائيلي، ولا سيما الأوساط الأكاديمية والثقافية والراديكالية التابعة له، هذا الفعل بأنه "نهب ثقافي" أو "سرقة مُنظّمة" للممتلكات الخاصة والعامة، وجزء لا يتجزأ من تهجير الشعب الفلسطيني.
المكتبة الوطنية الفلسطينية: تقر بأن سرقة الكتب، وخاصة تلك المأخوذة من المكتبات الخاصة والعامة الكبيرة (مثل مكتبات حيفا والقدس)، تُعدّ بمثابة محو للتراث الثقافي والفكري للشعب الفلسطيني.
الاعتراف بمصطلح "السرقة": لا يستخدم الخطاب اليساري مصطلح "الممتلكات المهجورة" المحايد (كما هو مُعرَّف في القانون الإسرائيلي)، بل يُقرّ بأن جمع الكتب من قِبل هيئات رسمية، كالمكتبة الوطنية، تم بطريقة غير قانونية وضد إرادة أصحابها الفلسطينيين المُهجَّرين.
ب. مطالب اليسار: الشفافية والاسترداد
يركز موقف اليسار على المطالبة بتصحيح الخطأ التاريخي:
الشفافية والتوثيق: يتمثل المطلب الأساسي في الشفافية الكاملة من جانب المكتبة الوطنية والمؤسسات الأخرى التي تحتفظ بهذه الكتب (والتي غالبًا ما تحمل علامات مثل "م.ح." - ملكية حكومية). يجب إلزام المكتبة بنشر قائمة كاملة بالكتب وتفاصيل أصحابها الأصليين المعروفين.
الاسترداد: يعتقد معظم اليساريين أنه ينبغي اتخاذ خطوات فعّالة لإعادة هذه الكتب إلى أصحابها الفلسطينيين أو إلى المؤسسات الثقافية الفلسطينية الرسمية (كالمكتبة الوطنية الفلسطينية المُستقبلية).
الاعتراف بالمسؤولية: يُشترط على دولة إسرائيل الاعتراف رسميًا بأن هذه المجموعة من الكتب كانت جزءًا من عملية مصادرة أوسع نطاقًا، وأنها تُعدّ ثروة ثقافية تخص شعبًا آخر.
ج. أثر الخطاب السياسي
النضال المدني: تتناول هذه القضية بشكل رئيسي منظمات المجتمع المدني والهيئات الأكاديمية (وليس الأحزاب السياسية الرئيسية) المنتمية لليسار، والتي تضغط على الكنيست والمؤسسات الثقافية لمعالجة هذه القضية.
س- كيف ينظر اليسار الأسرائيلي للأحزاب الدينية في العالم العربي؟
ج- موقف اليسار الإسرائيلي من الأحزاب الدينية (الإسلامية) في العالم العربي، كجماعة الإخوان المسلمين أو غيرها من الأحزاب التي تسعى إلى الجمع بين الدين والسياسة، موقفٌ معقد ومتنوع ومليء بالتوترات الأيديولوجية.
بشكل عام، يمكن تقسيم موقف اليسار إلى جانبين رئيسيين:
أ. المعارضة الأيديولوجية والليبرالية
ينظر اليسار الإسرائيلي، انطلاقًا من القيم الليبرالية والعلمانية والديمقراطية (بالمفهوم الغربي)، إلى الحركات الدينية السياسية على أنها خطر محتمل:
انتهاك حقوق الأقليات والمرأة: يخشى اليسار السائد من أن تنتهك الأحزاب الدينية المتطرفة حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الأقليات (مثل مجتمع الميم أو الأقليات الدينية والمذهبية والطوائف الأخرى)، وذلك لرغبتها في إخضاع الدستور لقوانين دينية صارمة.
معارضة العلمانية: يعارض اليسار، الذي يدعو إلى فصل الدين عن الدولة في إسرائيل، من حيث المبدأ أي محاولة لدمج الحكم الديني في النظام السياسي.
تهديد لعملية السلام: يخشى كثيرون في اليسار من أن صعود الأحزاب الإسلامية المتطرفة (مثل حماس وحزب الله والاخوان المسلمين) إلى السلطة في الدول المجاورة لاسرائيل سيُقوّض(حسب زعمهم) أي فرصة لتعزيز السلام والتسوية مع إسرائيل، نظرًا لإنكارها وجود الدولة نفسها.
ب. الاعتراف بالرواية الوطنية الفلسطينية (حماس والجهاد): فيما يتعلق بالحركات الدينية والسياسية الفلسطينية (حماس والجهاد الإسلامي)، فإن الخطاب اليساري أكثر تعقيدًا:
إدانة الإرهاب: تُدين جميع تيارات اليسار بشكل قاطع لا لبس فيه الأعمال الإرهابية لهذه المنظمات والأذى الذي يلحق بالمدنيين الإسرائيليين. لا يوجد أي مبرر للعنف حسب زعمها.
الاعتراف بالتمثيل: يُقرّ بعض اليساريين (وخاصة التيار الأكثر انتقادًا) بأن منظمات مثل حماس تُشكّل قوة سياسية مؤثرة بين الفلسطينيين، وتحظى بدعم شعبي. يرى البعض أنه لا مفر من التعاون أو الحوار غير المباشر (على سبيل المثال، حول وقف إطلاق النار أو الإفراج عن الأسرى)، إذ إن تجاهل هذه القوة تمامًا قد يؤدي إلى تصعيد لا نهاية له.
فهم السياق: يسعى اليسار إلى فهم السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي يُفضي إلى نمو هذه الحركات، والتي يُنظر إليها أحيانًا على أنها نتاج اليأس والحرمان وفشل الحركات العلمانية في النضال الوطني الفلسطيني.
ج. أمثلة على الخطاب المعقد: تركيا (حزب العدالة والتنمية): انتقد اليسار الإسرائيلي عمومًا نزعة حزب العدالة والتنمية نحو الحكم الاستبدادي وما يلحقه من ضرر بالعلمانية التركية، إلا أن موقفه كان أكثر اعتدالًا تجاه الحزب في بداياته، حين قدّم نفسه كحزب ديمقراطي محافظ مستعد للجمع بين الدين والاقتصاد الليبرالي.
حزب القائمة العربية الموحدة(الحركة الاسلامية الجنوبية) في إسرائيل: تغيّر الموقف تجاه الأحزاب السياسية الإسلامية داخل إسرائيل بشكل جذري. بعد التعاون الائتلافي عام ٢٠٢١، خلص التيار الرئيسي في اليسار إلى أن حزبًا دينيًا محافظًا يمكن أن يكون شريكًا سياسيًا عمليًا للنهوض بالقضايا المدنية والاقتصادية، حتى مع وجود اختلافات أيديولوجية حول قضايا الدين والدولة.
خلاصة القول: يختلف اليسار الإسرائيلي أيديولوجيًا مع معظم الأحزاب الدينية في العالم العربي نظرًا لمخاوفه من الإضرار بالديمقراطية وحقوق الإنسان(على حد زعمه)، لكن عند حل النزاعات، فإن بعض أجزائه مستعدة لتبني نهج عملي والاعتراف بها كقوى سياسية يجب التعامل معها.
س- ما حجم اليسار الأسرئيلي في المجتمع الأسرائيلي؟
ج- يُعدّ اليسار الإسرائيلي، كقوة سياسية منظمة تمثل الأيديولوجية السياسية الكلاسيكية القائمة على التسوية الإقليمية، صغيراً جداً ويشكل أقلية أيديولوجية واضحة بين الاسرائيليين (حوالي 10-15%). ومع ذلك، فإنه يحتفظ بنفوذ كبير في مجالات الثقافة والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني.