جزيرة غرينلاند : الصراع الأوروبي الامريكي

محسن الشوبكي باحث وخبير امني واستراتيجي
لم يعد الحديث عن جزيرة غرينلاند مجرد جدل سياسي أو تصريح إعلامي مثير، بل بات مؤشرًا خطيرًا على تحولات أعمق في السلوك الأمريكي وفي طبيعة النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة. فما نراه اليوم ليس صراعًا على جزيرة نائية في أقصى الشمال، بل اختبارًا عمليًا لحدود القوة، ولقدرة التحالفات الغربية على الصمود، ولما تبقى من قواعد تحكم العلاقات الدولية.
لفهم هذا التطور، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء، وتحديدًا إلى ما جرى في فنزويلا. اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو شكّل سابقة غير مسبوقة في العلاقات الدولية الحديثة. الأخطر من الحدث نفسه لم يكن التنفيذ، بل غياب الرد الدولي الرادع. لم تُفرض كلفة سياسية حقيقية على الولايات المتحدة، ولم تتشكل جبهة دولية فاعلة لاحتواء الخطوة. هذا الصمت مثّل رسالة غير معلنة داخل دوائر صنع القرار الأمريكي مفادها أن النظام الدولي بات أقل قدرة على الردع، وأن اختبار الخطوط الحمراء لم يعد محفوفًا بالمخاطر كما كان في السابق.
في هذا السياق، يمكن فهم تصاعد الخطاب الأمريكي حول غرينلاند. فالجزيرة تمثل حالة مختلفة وأكثر حساسية، لأنها لا تقع في هامش النظام الدولي، بل في قلبه. غرينلاند تتمتع بحكم ذاتي وتتبع مملكة الدنمارك، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. أي مساس بها لا يعني فقط الضغط على دولة صغيرة، بل يعني تحديًا مباشرًا للمنظومة الغربية ذاتها، وللقواعد التي قامت عليها الشراكة عبر الأطلسي.
الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي لعام 2025 لم تذكر غرينلاند صراحة، لكنها وضعت الإطار الفكري الذي يسمح بمثل هذا الطرح. فقد اعتبرت القطب الشمالي ساحة تنافس رئيسية مع روسيا والصين، وأكدت على ضرورة حماية الأمن القومي الأمريكي من خلال تأمين الموارد الحيوية وسلاسل الإمداد والمواقع الجغرافية الحساسة. هذه اللغة العامة تُرجمَت سياسيًا لاحقًا بخطاب أكثر حدّة، خصوصًا في ظل إدارة تميل إلى تحويل المفاهيم الاستراتيجية إلى خطوات عملية مباشرة.
أهمية غرينلاند بالنسبة للولايات المتحدة تنبع أولًا من موقعها الجغرافي الفريد. الجزيرة تقع في قلب المجال القطبي، وتشكل نقطة ارتكاز بين أمريكا الشمالية وأوروبا. السيطرة أو النفوذ الواسع فيها يمنح قدرة متقدمة على المراقبة الجوية والبحرية، وعلى بناء منظومات إنذار مبكر في زمن تتغير فيه طبيعة التهديدات ومساراتها. لم تعد الجغرافيا التقليدية كافية، والقطب الشمالي بات جزءًا من معادلة الأمن العالمي.
إلى جانب الجغرافيا، هناك البعد الاقتصادي المستقبلي. غرينلاند تحتوي على ثروات من المعادن النادرة التي تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية المتقدمة. في ظل الصراع الأمريكي-الصيني حول هذه الموارد، تنظر واشنطن إلى أي منطقة غنية بها خارج دائرة نفوذها باعتبارها مخاطرة استراتيجية طويلة الأمد. كما أن ذوبان الجليد يفتح مسارات بحرية جديدة قد تعيد رسم خريطة التجارة العالمية، ما يزيد من القيمة الجيوسياسية للجزيرة.
غير أن هذا الاهتمام الأمريكي لا يأتي في فراغ. روسيا عززت خلال السنوات الأخيرة وجودها العسكري في المناطق الشمالية، وأعادت تشغيل قواعد، ووسعت نشاطها البحري والجوي في القطب الشمالي. الصين، من جهتها، تتحرك بأسلوب أكثر هدوءًا، عبر الاستثمار والبحث العلمي ومحاولات التغلغل الاقتصادي في دول الإقليم. هذا التمدد الروسي والصيني يشكل أحد دوافع القلق الأمريكي، لكنه في الوقت ذاته يفتح باب الخلاف مع أوروبا حول كيفية التعامل معه.
داخليًا، تعكس الساحة السياسية الأمريكية انقسامًا واضحًا. التيار الجمهوري المرتبط بالرئيس ترامب يرى أن اللحظة الدولية مواتية لفرض وقائع جديدة، وأن ضعف الردع الدولي يمثل فرصة استراتيجية. هذا التيار يتعامل مع غرينلاند بعقلية القوة والسيطرة الاستباقية. في المقابل، يحذر الحزب الديمقراطي من أن أي محاولة لفرض السيطرة بالقوة أو بالتهديد ستؤدي إلى تصدع التحالف الغربي وتقويض حلف شمال الأطلسي، ما سيضعف الولايات المتحدة على المدى البعيد بدل أن يعزز موقعها.
مراكز الأبحاث الأمريكية تعكس هذا الانقسام بدورها. المراكز القريبة من الإدارة الحالية تركز على أهمية غرينلاند في مواجهة روسيا والصين، لكنها غالبًا ما تفضل الحديث عن توسيع النفوذ والشراكات بدل الضم الصريح. أما المراكز المحسوبة على التيار الديمقراطي، فترى أن الحل يكمن في العمل الجماعي داخل إطار الناتو، ودعم غرينلاند اقتصاديًا وأمنيًا دون المساس بسيادتها، محذّرة من خلق سابقة خطيرة في العلاقات الدولية.
الموقف الأوروبي الأخير أضاف بعدًا جديدًا للمشهد. إعلان الاتحاد الأوروبي الاستعداد للدخول في حوار استراتيجي موسع حول التهديدين الروسي والصيني يعكس اعترافًا أوروبيًا بوجود تحديات حقيقية في القطب الشمالي، لكنه في الوقت نفسه يؤكد رفض الحلول الأحادية. أوروبا تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين الواقعية الأمنية والدفاع عن السيادة، وبين الشراكة مع واشنطن ومنع انزلاقها نحو منطق الفرض.
استشرافيًا، يقف ملف غرينلاند عند مفترق طرق. المسار الأكثر ترجيحًا يتمثل في تحويل الخطاب الأمريكي الحاد إلى أداة ضغط سياسية للحصول على وجود أمني وعسكري أوسع ضمن إطار الناتو. مسار آخر يتمثل في استمرار التصعيد السياسي دون خطوات عملية، بما يؤدي إلى توتر طويل الأمد داخل المعسكر الغربي. أما المسار الأخطر، وإن كان الأقل احتمالًا، فهو محاولة فرض واقع جديد بالقوة، وهو ما سيقود إلى أزمة غير مسبوقة في بنية النظام الدولي.
في المحصلة، غرينلاند ليست جزيرة بقدر ما هي مرآة. مرآة تعكس حدود القوة الأمريكية، وقدرة أوروبا على الدفاع عن سيادتها، ومتانة التحالفات الغربية في عالم يتجه نحو مزيد من التنافس. ما سيُحسم في هذا الملف لن يحدد مصير جزيرة في أقصى الشمال فحسب، بل قد يرسم ملامح المرحلة القادمة من النظام الدولي بأكمله.