عجلة الوساطات القطرية تدور العالم

نجحت دولة قطر في امتلاك قوة ناعمة استطاعت عبرها مراكمة النجاحات سنين طويلة لتحولها إلى قوة بالستية ذات شأن عابرة في تأثيرها للقارات.
بجناحيها الدبلوماسي والاعلامي اكتمل التأثير القطري ليس في العالم العربي وحسب، بل في ارجاء العالم.

وحفرت الوساطات القطرية بتأثيرها على جميع قارات العالم، سواء على مستوى الصراعات بين دول متنازعة، أو جماعات ومجموعات سياسية أو جماعات مسلحة أو قوى معارضة.
وخلال السنوات الأخيرة، لعبت قطر دوراً بارزاً في دعم وتسهيل عمليات الوساطة في مناطق متعددة، تجاوزت الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، ووصلت إلى مناطق أبعد وأصعب في ملفاتها.

بين أمريكا وفنزويلا
على مدار عقود مضت، كان أكثرها تصعيداً منذ نحو 8 أعوام، مرت الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا بأزمة كبيرة، دفعت واشنطن إلى فرض عقوبات وحصار على كراكاس، ولم تتمكن جهود مختلفة من حل الأزمة بين الجانبين أو التقريب بينهما.

لكن قطر وعبر وساطتها الناجحة في دول مختلفة، تمكنت أخيراً من حلحلة الأزمة، والتوصل لتبادل عدد من السجناء بين البلدين، في إطار جهد دبلوماسي يهدف إلى إبرام مصالحة شاملة بين البلدين وتطبيع العلاقات بينهما.

وقالت وسائل إعلام (20 ديسمبر 2023)، إن 10 أمريكيين أفرجت عنهم حكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في صفقة تبادل سجناء مع الولايات المتحدة، وصلوا إلى قاعدة عسكرية في سان أنطونيو بولاية تكساس، مقابل إفراج الولايات المتحدة عن حليف مادورو، رجل الأعمال الكولومبي أليكس صعب، الذي حصل على عفو من الرئيس الأمريكي جو بايدن.

كما وافق مادورو على إطلاق سراح ما لا يقل عن 20 شخصاً على صلة بالمعارضة من السجون، حيث أكد وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي، أن هذه الخطوة جزء من وساطة أشمل لمعالجة القضايا العالقة بين البلدين.

وأكد أن بلاده تشكر الولايات المتحدة وفنزويلا على تعاونهما في إنجاح عملية تبادل السجناء وتجاوبهما مع جهود الوساطة القطرية، وأشادت الإدارة الأمريكية بدور دولة قطر في الوساطة، وقالت: "ممتنون لجهود قطر التي سهّلت المحادثات بين السلطات الفنزويلية والمسؤولين الأمريكيين".

وجاء الاتفاق نتيجة مفاوضات استمرت منذ نحو عامين، حيث استضافت في العام الحالي لقاءً سرياً بين خوان غونزاليس، مستشار بايدن لشؤون أمريكا اللاتينية، وخورخي رودريغيز الذراع اليمنى لمادورو، بهدف إنشاء قناة اتصال مباشرة بين البلدين في المستقبل، واستكشاف سبل إزالة التوتر بين البلدين.

وتعود الأزمة السياسية بين البلدين إلى عهد الرئيس الراحل هوغو تشافير (نهاية تسعينيات القرن الماضي)، واستفحلت مع وصول خليفته نيكولاس مادورو إلى السلطة، إذ تفرض واشنطن عقوبات وحصاراً على بلاده منذ عام 2015.

نجاحات أخيرة
ونجاح الوساطة القطرية محطة جديدة في سياق سلسلة من الأدوار المماثلة التي شملت دولاً عدة، ومنها الحوار الأمريكي مع "طالبان" حول أفغانستان، وإعادة الأطفال الأوكرانيين إلى ذويهم من روسيا، والملف الإيراني ـ الأمريكي.

وكان أبرزها مؤخراً حينما نجحت جهود دولة قطر، بالشراكة مع مصر والولايات المتحدة، في الوساطة بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، حيث جرى التوصل إلى اتفاق على هدنة إنسانية في قطاع غزة استمرت أسبوعاً (أواخر نوفمبر 2023)، تم خلالها تبادل أسرى ومحتجزين وإدخال مساعدات ووقف الحرب، قبل أن يعاود الاحتلال عدوانه مجدداً.

ولم تكن جهود وساطة قطر سهلة، فقد تعثرت قبل ذلك في أكثر من مرة، نتيجة التعنت الإسرائيلي قبل أن تتم ثم تعاود الحرب مرة أخرى، لكن مع إصرار الدوحة ومرونة حماس لا تزال الدوحة على أمل أن يكون هناك اتفاق أشمل في قادم الأيام ينهي العدوان الصهيوني على غزة ويتحرر بمقتضاه الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية.

وبالتزامن مع حراكها الدبلوماسي في غزة، كانت قطر تخوض حراكاً مماثلاً بأوكرانيا، وتمكنت في الـ5 من ديسمبر الماضي، في إنجاح ثاني عملية لم شمل أطفال أوكرانيين مع عائلاتهم، ضمن جهود وساطتها المستمرة لجمع الأسر المشتتة بسبب الأزمة الروسية الأوكرانية.

وأعلنت الخارجية القطرية، أنه "تمت استضافة 6 أطفال وعائلاتهم بمقر سفارة دولة قطر في موسكو، ومن ثم تم نقلهم إلى وجهاتهم النهائية لضمان سلامتهم وراحتهم والتأكد من احتياجاتهم"، بعدما كانت أعلنت منتصف أكتوبر الماضي، نجاح وساطة لمّ شمل 4 قاصرين مع عائلاتهم في أوكرانيا، بناءً على طلب تقدمت به كييف للدوحة.في عام 2008، احتضنت الدوحة توقيع الاتفاق السياسي اللبناني الذي أسفر عن انتخاب رئيس للبلاد.
وفي ما يلي أهم الوساطات التي قامت بها قطر خلال السنوات الأخيرة:

* الإفراج عن أسرى جيبوتيين لدى إريتريا 2016

نجحت المساعي القطرية في الإفراج عن أسرى جيبوتيين لدى إريتريا، ضمن وساطة بين الطرفين؛ ليعود الأسرى إلى بلادهم برفقة وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، على متن طائرة خاصة في مارس/آذار العام الماضي.

* الإفراج عن جنود لبنانيين مختطفين 2015

عملت قطر على الإفراج عن الجنود اللبنانيين الـ 16 الذين اختطفتهم "جبهة النصرة" في أغسطس/آب 2014 ، ونجحت في هذه المهمة يوم 1 ديسمبر/كانون الأول 2015، مقابل إفراج الحكومة اللبنانية عن 25 سجيناً؛ طالبت "النصرة" بإطلاق سراحهم، بينهم 17 امرأة.


* اتفاق التبو والطوارق في ليبيا2015

تمكنت قطر من لعب دور وساطة ناجحة بين قبائل التبو والطوارق في ليبيا، ففي 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، تم في الدوحة توقيع اتفاق سلام بين القبيلتين، بعد مفاوضات استمرت 4 أيام برعاية قطرية.

وتعود جذور المشكلة بين القبيلتين إلى مشاجرة بين رجال أمن من الطوارق ومواطنين من التبو، ازدادت حدتها لتتحول إلى اشتباكات مسلحة، بعدما قام مسلحون من التبو بالهجوم على مركز الأمن الوطني الذي تسيطر عليه جماعة مسلحة من الطوارق.

* اتفاق دارفور 2013

بوساطة قطرية، توصلت الحكومة السودانية من جهة وحركة "العدل والمساواة" من جهة أخرى، إلى اتفاق وقف إطلاق النار، في محاولة لإعادة إحياء عملية السلام المجمدة بينهما.

وجاء الاتفاق في أعقاب تصاعد القتال في إقليم دارفور، وخرق اتفاق آخر تم توقيعه بوساطة قطرية أيضاً عام 2011.


*مفاوضات بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان كان آخرها 2016

في إطار جهود إحلال السلام في أفغانستان، استضافت الدوحة مرات عديدة جلسات مفاوضات بين حركة "طالبان" والحكومة الأفغانية.

ورعت قطر في مايو/أيار 2015 جولة مفاوضات بين ممثلين عن الحركة ومسؤولين أفغان، بهدف إنهاء الحرب الدائرة.

وفي سبتمبر/أيلول 2016 جرت مفاوضات أخرى بين الطرفين لم تعلن عنها قطر بشكل رسمي.

*المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس" 2012

بحضور أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الدوحة يوم 6 فبراير/شباط 2012، وقعت حركتا "فتح" و"حماس" الفلسطينيتين، اتفاقاً يهدف لتسريع وتيرة المصالحة الوطنية بينهما.

وقع الاتفاق من طرف "فتح" الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ومن طرف "حماس" رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل.

* وثيقة سلام دارفور 2011

في 14 يوليو/تموز 2011، استضافت الدوحة مراسم توقيع ممثلي الحكومة السودانية وحركة "التحرير والعدالة"، الوثيقة النهائية للسلام في دارفور.

وجرى التوقيع، بعد وساطة قطرية ناجحة بين الطرفين المتنازعين، اللذين خاضا مفاوضات استمرت عامين ونصف العام.

* ملف المصالحة بين جيبوتي وإريتريا 2011
نجحت الدوحة بعد فترة طويلة من مساعيها التصالحية، في إبرام اتفاقية سلام بين حكومتي جيبوتي وإريتريا؛ لتسوية النزاع الحدودي القائم بينهما، وذلك في مارس/آذار 2011.

* "اتفاق الدوحة" الخاص بلبنان 2008

في 21 مايو/أيار 2008 وقعت الأطراف اللبنانية في الدوحة، اتفاقاً توصلت إليه بوساطة قطرية، بعد 18 شهراً من أزمة سياسية عصفت بلبنان.

وأفضى "اتفاق الدوحة" إلى انتخاب قائد الجيش اللبناني آنذاك ميشال سليمان، رئيساً للجمهورية (انتهت ولايته في مايو/أيار 2014)، وإقرار قانون الانتخابات، الذي قسم العاصمة بيروت إلى 3 مناطق، فضلاً عن تشكيل حكومة وحدة وطنية.

*الممرضات البلغاريات 2008

مرة جديدة نجحت الجهود القطرية في إنهاء أزمة الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات في ليبيا بعد صفقة تم بموجبها الإفراج عن هؤلاء، بعد 8 سنوات قضوها في السجن، وذلك عام 2007.

وكانت الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني، الذي تم منحه الجنسية البلغارية لاحقاً، حُوكموا في ليبيا بتهمة نقل فيروس الإيدز عمداً إلى 450 طفلاً ليبياً، ليصدر بحقهم حكماً بالإعدام، ويتم تخفيف الحكم لاحقاً إلى السجن مدى الحياة.

وشمل الاتفاق: إنشاء "الصندوق الليبي من أجل الأطفال المصابين بالإيدز"، الذي ساهمت فيه قطر والتشيك.

وقام الصندوق قام بصرف مليون دولار أمريكي لعائلة كل طفل من المصابين، فضلاً عن تعهد فرنسا بتجهيز مستشفى بنغازي، وتدريب طاقمه لمدة 5 أعوام، بالإضافة إلى تدريب 50 طبيباً آخرين.

*كان لقطر دور بارز في التوصل إلى هدنة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل خلال الحروب التي شنتها الأخيرة على قطاع غزة في أعوام 2009، و2012، 2014.

امريكا وايران
وفي هذا العام ايضا اخترقت الدبلوماسية القطرية التكلسات التي تراكمت في العلاقة الامريكية الايرانية وافرج عن 5 إيرانيين كانت تحتجزهم الولايات المتحدة كما جرى تحويل 6 مليارات دولار من أموال طهران، مقابل الإفراج عن 5 أمريكيين ومزدوجي الجنسية.
أما آخر الوساطات وأهمها انسانية فتلك التي نجحت فيها دولة قطر، بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، عندما جرى التوصل إلى اتفاق على هدنة إنسانية في قطاع غزة استمرت أسبوعاً (أواخر نوفمبر 2023).