د. حسين البناء يكتب : حرب مياه الشرق الأوسط

المشرق العربي -وبحكم موقعه الجغرافي- يتسم بالجفاف وتواضع معدلات الهطول المطري، حيث أن أغلب المنطقة تمتد على الصحراء العربية الكبرى المحاذية لخط عرض مدار السرطان.
مِن جهةٍ أخرى فإن أهم أنهار المنطقة تَنبع مِن خارج الأقطار العربية، مثل النيل ودجلة والفرات، الأمر الذي يجعل دولة المنبع ودول الممر ودولة المصب على تماس دائم مع الخلافات المتعلقة باتفاقات تقسيم الحصص المائية والتي يتم تقييمها وإعادة صياغتها حسب مستجدات القوة والسياسة.

كثيرون كانوا قد استشرفوا آفاق الخلافات المائية المتصاعدة خاصةً بعد قيام دولة إسرائيل، وتزايد سكان المنطقة، وزيادة معدل استهلاك الفرد للمياه كمؤشر موازٍ لمؤشرات التنمية بعد الطفرة النفطية في الخليج العربي.
الظروف الحالية تؤكد أن المنطقة بأكملها على شفا تصعيد خطير فيما يتعلق بملف المياه؛ فضخامة المشاريع المائية والسدود مؤخرًا سرّعت هذا التصعيد خاصةً بعد استكمال مراحل بناء سد أتاتورك في تركيا وسد النهضة في إثيوبيا.

إسرائيل:
قامت بتجفيف بحيرة الحولة واستخدامها للزراعة، وتضع قيودًا على إمكانات السلطة الفلسطينية بحفر الآبار الجوفية بالضفة وغزة، وتنتهك حصة الأردن الكمية والنوعية من نهر الأردن، وتحتل ضفاف بحيرة طبريا لتمنع سوريا من حقوقها، كما أنها تستحوذ على مياه الجولان وأنهر جنوب لبنان وتمنع استغلالهما لبنانيًا.

تركيا:
ينبع نهري دجلة والفرات من تركيا، ثم يمرّان في سوريا والعراق، ليصبان في شط العرب بالبصرة. نفّذت تركيا 22 سدًا على النهرين ضمن مشروع GAP الضخم مستغلةً الأحداث التي حطمت سوريا بعد الثورة وحطمت العراق بعد الغزو الأمريكي، وتشير التقارير مؤخرًا لانخفاض خطير في مناسيب المياه بالنهرين، وترد تقارير مصوّرة وموثقة لتكشف عن مدى جفاف ضفاف النهرين وظهور بعض المعالم التي كانت مغطاة بالماء لقرون، وهناك صورة صحفية رائجة تُظهر أطفالًا راجلين يقطعون الفرات! 
فسد أتاتورك يحجز خلفه 50 مليار متر مكعب من مياه نهر الفرات.

إيران:
تقدمت الحكومة العراقية بشكوى عام 2022 مِن قيام إيران بحجز الروافد والمجاري المائية المتجهة للعراق، كرافد سيروان الهام لدجلة، ومن قبله نهر الوند ونهر الكرخة، وكنجان وكنكير التي كانت ضمن عدة اتفاقيات تقسيم.

أفغانستان:
عبّرت الحكومة الإيرانية عن قلقها من قيام حركة طالبان -والتي تحكم أفغانستان منذ مغادرة الأميركان قبل عام تقريبًا- بحجز مياه نهر هلمند المتجه لإيران في صيف 2023، وقد تتفاقم هذه الأزمة لآفاق خطيرة تغذيها مواقف دولية سوف تستثمر بذلك الملف.

الأردن:
يطالب الأردن بإعادة حصته مِن نهر اليرموك والتي تقارب المئة مليون متر مكعب، والتي تراجعت بسبب إنشاء عدة حواجز مائية سورية خلف سد الوحدة.
كما أن إسرائيل تتلاعب بمواصفات المياه وكمياتها التي ينبغي تدفقها تجاه الأردن مِن نهر الأردن حسب اتفاقية السلام.
حوض مياه الديسي والقابع بين الأردن والسعودية يتم الاعتماد عليه اليوم في تزويد العاصمة عمّان.
ضآلة كمية المياه النازلة للبحر الميت تسببت بتراجع مستوياته بشكل ملحوظ بسبب احتجاز الجزء الأكبر من تدفقات المجاري المائية والسيول المطرية ووادي الموجب ونهر الأردن على كلتي الضفتين.

إثيوبيا:
تم استكمال بناء وتعبئة سد النهضة القائم على النيل الأزرق (بسعة 70 مليار متر مكعب) مع عام 2023 بعد أن كان أحد أخطر الملفات مع مصر بالذات، مما دفعها للتفكير في جر مياه نهر الكونغو لتغذية النيل لتعويض النقص في تدفقاته. دعت الحكومة المصرية لتنظيم وترشيد النمط الزراعي ليتماشى مع أزمة الري وتدفق مياه النيل مؤخرًا.

في ضوء ما سبق فإنه من الواضح بأن المنطقة بأكملها بانتظار تفاقم الأزمة المائية، مدفوعًا بحالة الجفاف وتنامي حاجات استخدام الماء التنموية والزراعية تحديدًا. الخطير في الأمر أن حضارات المنطقة قامت تاريخيًا على المجاري المائية الرطبة، وأن ثمة خلاصات تؤكد تعنت الدول التي تتحكم بالمنابع والمجاري برأيها ومصالحها ولو كانت على مصالح حيوية للدول المجاورة! وهنا تضم قائمة المستفيدين (إثيوبيا وتركيا وإيران وإسرائيل) كأبرز اللاعبين بالملف المائي للمنطقة، وتتصدر قائمة المتضررين (الأردن وفلسطين ومصر والعراق وسوريا).