إبراهيم أبو حويله يكتب: ليس مقبولا

إبراهيم أبو حويله


وقفت مع بعض الإنتقادات العامة والخاصة والتي تخرج هنا وهناك تنتقد الحكومة أو الشركات أو حتى الأشخاص ، فوجدت الكثير منها للأسف لا يرقى إلى أن يكون مقبولا، فضلا عن أن يكون معتبرا فضلا عن أن يكون دراسة مختصة يمكن الإستفادة منها في التوجيه والإرشاد والإصلاح ، فمن المقبول أن يتكلم الإنسان الذي ليس له نصيب من علم ولا معرفة بأشياء عامة ، من قبيل إن السيارات الألمانية ليست ذات كفاءة وأن اليابانية هي أفضل ، ولكن الصينية ليست ذات جودة نهائيا ...

ولكن عندما يتكلم المختص فكل هذه العموميات ليست محل ثقة ولا تقدير ولا إعتبار ، فعندما تتكلم عن هذا الصنف أو ذلك يجب أن تذكر التفاصيل سلبيات وإيجابيات وما لكل صنف وما عليه ، ويجب أن يكون وفق أسس ومعايير متفق عليها من أهل الإختصاص ...

فعندما يتكلم دكتور في الإقتصاد مثلا عن مشاكل الوطن ، فكل هذه العموميات غير مقبولة ، ويجب أن يحدد الخلل وطرق الحل وكيفية الخروج من الأزمة ، ولو على أقل تقدير حسب ما وصل إليه علمه وخبرته أو حتى وفق ما رشح إليه من معلومات ، أما المواطن البسيط فمقبول منه التكلم بالمجمل والنظر إلى المشكلة القائمة أمامه على أنها كل واحد لا يتجزء ، وإن كانت في الحقيقة مجموعة كبيرة من المشاكل الجزئية التي تحتاج كل منها إلى حل منفصل ...

مصطلح خربانه ، هذا مصطلح يصلح مع ميكانيكي سيارات من الدرجة العاشرة مع الإحترام ، ولكن تحديد الخلل وطرق الحل هو المطلوب ، ومدى السوء الذي ألم بهذه القطعة أو تلك ولماذا تحتاج إلى تغيير ، أما تلك الفئة التى تضرب خبط عشواء معتمدة على حظها ، فتقوم بفك هذه القطعة ثم يتضح أن الخلل ليس فيها وأخرى وأخرى حتى يصل إلى القطعة المطلوبة ، وفي النهاية يتجمع عندك عدد كبير من القطع والبراغي الزائدة عن الحاجة حسب تقدير هذا الشخص ، وهذا ضياع للمال والجهد والوقت ، وأرى للأسف الكثير من مشاكلنا يحل وفق هذه الطريقة ...

فعندما ترتفع أسعار الأدوية ونحاول أن نحدد الخلل ونبحث عن الحلول ، فأحيانا كثيرة تتفاجأ بأن الحكومة تتحمل جزء من المشكلة نعم ولكن ليس لها النصيب الأكبر فيها ، فمثلا نحن سوق صغير وهناك منافسة شرسة ، وكانت الصناعات الدوائية محدودة فكنا نصدر إلى أسواق محيطة ، واليوم بناء على إنتشار عدد كبير من المصانع والمنافسة فإن السوق الذي كان من نصيب الشركات الأردنية أصبحت تتجاذبه مجموعة من الشركات ، ولذلك فالمصنع أحيانا كثيرة يصنع للسوق الأردني فقط ، مما يرفع التكلفة من حيث المدخلات والإنتاج وضعف السوق المحلي، لا ننكر بأن الحكومة تفرض أحيانا كثيرة ضرائب على هذه الأدوية او مدخلات الإنتاج أو الآلات ، وهذه الأدوية تكون إما معافاة أو مدعومة في بعض الدول المحيطة ، وهذا يخفض السعر عندهم بشكل إضافي ، وهكذا نجد أنفسنا أحيانا كثيرة أمام مشكلة مركبة...

وخذ مثلا عندما تخصص الحكومة قروض لدعم المشاريع الإقتصادية الصغيرة أو المتوسطة أو شراء ماشية أو الإستفادة من مشروع زراعي أو دعم مصانع تعود بالفائدة على الوطن أو تساهم في حل مشكلة الباطلة، فالذي يفكر فيه المواطن غالبا ليس كيفية الإستفادة من هذه القروض والمنح في إطلاق مشروع يستفيد منه هو والبيئة المحيطة ، ولكن في كيفية إستغلال هذا القرض أو المنحة والتهرب من السداد ، مع أن التخطيط الذي بذلة في سبيل الإحتيال لأخذ هذا المبلغ كفيل بإنجاح الكثير من المشاريع ...

وهنا ايضا أقف مع قضية المشاريع في الشركات ذات المساهمة العامة ، والتي كانت طريق للكثير للتكسب غير المشروع ، وما حدث في قضية الشركة الأخيرة وقصة الستمائة مليون هو من قبيل هذه القصة ، فبدل أن تكون الشركات ذات المساهمة العامة طريق للنهوض بالوطن ، ومن قبيل الجمعيات التعاونية بحيث يطرح من لديه فكرة أو مشروع أو قدرة ما ، شركة من هذا القبيل وفق أسس معينة ، ويساهم معه مجموعة من المواطنين في سبيل إنجاح فكرته والإستفادة أيضا ، وهكذا تصبح هذه الشركات طريق سريع بعيدا عن الحكومة وضمن الإشراف والرقابة للنهوض بالإقتصاد الوطني ، والذي حدث نتيجة أستغلال هذه الفئة الخبيثة أن توقفت الفكرة ، ومنذ سنين طويلة لم يتم إنشاء شركات مساهمة عامة جديدة...

وهكذا أصبحت هذه الشركات بسبب بعض الأنفس المريضة طريقا لسرقة المواطن ، فيقوم بتأسيس شركة ويضع فيها رأس مال معتبر ، ثم يطرح مشاريع وهمية عقارية أو غيرها ، فيسعى المواطن لشراء سهم تأسيس في هذه الشركات وخاصة إذا إستطاع صاحب الشركة إقناع الرأي العام بأنه من الواصلين وأن لديه الكثير من الفرص التي تجعل تحويل الدينار الواحد إلى ألاف مؤلفة أمر سهلا...

وهكذا يقع المواطن فريسة لضعف الرقابة والنفسية الخبيثة والطمع في الربح السريع ، فقد أصطف المئات على أبواب مثل هذه الشركات طمعا في الحصول على حصة كبيرة من أسهم التأسيس ، وأحيانا كثيرة كان المواطن يحصل على حصة من الأسهم التي يريد شراؤها وليس كل ما يطلبه ، وهذا من حسن حظه وساهم في تقليل خسائره ، حيث كانت النتجية الحتمية لهذه الشركات هي الإفلاس ، وتبخرت هي وأموال المساهمين ...

ولذلك أقول للأسف بأن منظومة الفساد لا تخص بعض العاملين في القطاع العام ، ولكنها ظاهرة منتشرة وفي الكثير من المفاصل ، وتحتاج إلى وقفة جادة لأنها تضرب بقوة إقتصادنا وطريقنا نحو المستقبل ...