العجائبي في رواية موتائيل_شابان بون كافيه

العجائبي في رواية موتائيل_شابان بون كافيه
للكاتب العماني أحمد البحراني
من إصدارات الآن ناشرون وموزعون/2022
             
        قراءة بديعة النعيمي

لعل أهم مظاهر الخرق والتجاوز التي مست الرواية العربية هو توظيف الأدب العجائبي الذي يتشكل من المألوف واللامألوف والفوق طبيعي واللاواقع وحيرة  المتلقي في عالمين متناقضين عالم الحسية وعالم الوهم والتخييل وهذه الحيرة توقعه بين حالتي التوقع المنطقي والاستغراب غير الطبيعي أمام حادث خارق للعادة لا يخضع لأعراف العقل والطبيعة وقوانينهما وبهذا يكون الروائي قد تمكن من التعبير عن قناعاته ورؤاه وأوصلها في قالب مختلف وبتقنيات عجيبة. ومن وظائف الأدب العجائبي أنه يساعد على تنظيم الحبكة وتطويرها علاوة على وظيفة الخوف أو الدهشة أو ببساطة الفضول أو غير ذلك من المشاعر التي قد لا تثيرها في ذات المتلقي أجناس أدبية أخرى.
والعجائبي لا يفصح عن أدواته وعن ميكانيزم اشتغالها إلا من خلال التأويل تأوليل الحياة ذاتها التي ينشئها النص.
وفي رواية موتائيل تمكن البحراني بالفعل من صنع عالما عجيبا مدهشا على صيغة الشخصية موتائيل التي ما أن تظهر لشخصيات العمل حتى تتجمد حركة الكون من حولهم لتؤدي بهم في النهاية إلى الانتحار.

ومنذ الفقرة الأولى للرواية والكاتب يدخل المتلقي في حيرة حول ماهية خيوط الضوء التي أعطاها صفة السواد وهي تلاحق نقطة حمراء مقعرة تنشطر إلى نقطتين مقعرتين يتبعها انقسام الأضواء إلى ضفيرتين تلاحقان النقطتين..وهكذا حتى نهاية الفقرة..فعدم استقرار النقطة وانقسامها فاندماجها مرة أخرى وبنفس الوقت انشطار الخيوط ثم اندماجها ما هو إلا دلالة على شيء أراد الكاتب إيصاله لنا لكن بفلسفته الخاصة فقد تكون النقطة هي حياة الإنسان والخيوط هي القدر الذي لا مهرب منه مهما رواغنا.
ومن مقومات الأدب العجائبي أنه يعتمد أحداثا غريبة ومدهشة تحدث التردد الذي يطال الشخصية الرئيسية  كما المتلقي فتقف حائرة أمام غموض الأحداث وغرابتها ويحاول أن يجد تفسيرا طبيعيا أو حتى غير طبيعي لها. ففي ص20 نجد بطل الرواية الدكتور الجامعي رشيد يقع في الحيرة أمام ما حصل له في شرفة بيته عندما ظهر له ذلك المخلوق العجيب موتائيل ( بقي هو في الشرفة مشوشا وغير قادر على استيعاب ما حدث له..هل كان حقيقة أم مجرد خيالات عقله الذي أنهكه الصداع النصفي؟). وفي ص17 ( دقق النظر في ساعته فوجدها واقفة عند الخامسة وخمس دقائق..حاول أن يستوعب ما حدث له لكنه عجز أن يجد تفسيرا واحدا..الأمر الذي ملأه رعبا فوق ما هو فيه من حيرة وهلع،إنه حين نظر بعيدا وراء الغيوم رأى مخلوقا غريبا ضخما جدا له عين واحدة ينظر إليه بشكل مرعب..).
كما أن من مقومات هذا النوع من الأدب استعمال مفردات دالة على التحول والمسخ ففي ص18 عن موتائيل( وعينه الوحيدة مصوبة كالسهم) فامتلاك المخلوق عينا واحدة من صفات المسخ لأن الدارج بين المخلوقات هو امتلاكها لعينين اثنتين.

ومن شروط الأدب العجائبي انتقال الشخصيات بين عالمين عالم فيزيائي بفضاءاته المكانية الحسية والجغرافية وعالم عجائبي خيالي بفضاءاته غير المحددة بمقاييس الهندسة والعقل الممنطق للمكان فهو فضاء يتخطى الطبيعة إلى أجواء ميتافيزيقية لا يمكن تصورها والصراع بين هاذين القانونين. وتتضح لنا براعة البحراني في استخدام هذا الشرط في أكثر من موقع في روايته ففي ص17( وبينما هو يرتشف الشاي وأمامه ذلك المنظر البهيج حدث له أمر غريب جدا إذ فجاة جمد كل شيء أمامه كل شيء ،بدا الناس في الأسفل كالتماثيل الصغيرة والسيارات كأنها مكعبات ..حتى الطيور في الهواء ثابتة دون أن تسقط) ففي هذا المشهد ينقل البحراني البطل والمتلقي معا من عالم واقعي وهو شرفة البيت وشارع بورقيبة الجميل وحركة الناس الطبيعية إلى عالم عجيب متجمد حتى بدا الكون كأنه متجمد أمامه.

ومن ثوابت الأدب العجائبي وجود الكائنات فوق الطبيعية الأقوى من الجنس البشري وفي رواية البحراني نجد هذا الكائن في أغلب صفحات الرواية ففي ص18( كان ذلك المخلوق العجيب متجها نحوه مثل طلقة مسدس ....) وفي ص18 تظهر قدرة هذا المخلوق وقوته التي تفوق قدرة الدكتور رشيد عندما يخبره بأن هذه آخر لحظة له في الحياة( عاد الصوت لكنه منخفض عن السابق قائلا: هذه آخر لحظة لك في الحياة وستموت الآن). وفي ص19 نجد البطل رشيد يتوسل لموتائيل أن يعطيه فسحة وقت( توسل لموتائيل كي يعطيه فسحة من الوقت). ويعتبر هذا الحدث خارقا للعادة أثار الاندهاش والاستغراب لدى المتلقي بما وصله من شعور انزياح عن عالم المواصفات والأعراف والقوانين الطبيعية والعقلية والمنطقية إلى عالم آخر معاكس بكل المقاييس.

وقد أردف البحراني اسم المقهى شابان بون كافيه تحت عنوان الرواية موتائيل ربما لأن صاحب المقهى شابان هو الشاهد الأول على حادثة انتحار جيرانه في الشقة المقابلة لمقهاه والتي تشرف عليه في الطابق الخامس ،وعندما طلب شابان من زوجة الدكتور رشيد زيارتهما في شقتهما جلس في الشرفة بطلب منه فشاهد لأول مرة المقهى خاصته من ذلك العلو فوجه عبارة غريبة لمضيفيه ..أنتم تسكنون في العالم العلوي ،وعندما سألوه وأين تسكن أنت أجاب بأنه يسكن في العالم السفلي..ترى إلى ماذا أراد الكاتب من هذه العبارة؟ وعندما جلس الدكتور رشيد على كرسي زوجته فرأى العالم من زاوية أخرى ،ما الذي أراده الكاتب أيضا؟ 
وعندما انتحر ثلاثة ممن قطنوا هذه الشقة بالذات وكان آخر الدكتور رشيد ص147 عن زوجته( بعد أن جلبت هدية لزوجها بمناسبة عيد زواجهما الثلاثين..كانت الساعة قد تجاوزت الخامسة بقليل وهي بداية الذروة في شارع الحبيب بورقيبة..شابان في المقهى الذي بدأ يزدحم بمرتاديهوحين سمع ارتطام شئ بالأرض ،هرول إلى مكان الصوت وكانت المفاجاة التي جمدته في مكانه ،جثة د.رشيد على البلاط الإسمنتي).
 وحتى المقدم منصور الذي دخل الشقة ليحقق في حادثة انتحار الدكتور رشيد حين نظر من نفس الزاوية شعر بأنه يعرف الشرفة منذ سنوات وفجاة تجمد كل شيء أمامه!! 
ترى ما السر الذي اراد الكاتب للمتلقي أن يصل إليه؟ الشرفة ،الساعة الخامسة، موت الطالبة رقية بنفس الطريقة بحادثة دهس بعد أن تجمد أمامها كل شئ والطفل الذي مات في الحافلة بسبب الحادث...فهل هو موتائيل هل هو الموت الذي يترصد الجميع؟.

وأخيرا فرواية موتائيل للبحراني كما أية رواية عجائبية طمحت أن تكون أكثر من مرآة تنعكس على صفحتها تبدلات الواقع المختلفة، تهتك حجب الزمني والآني والمألوف والمباشر وتستشرف آفاق المطلق والمحتمل.