سعيد الصالحي يكتب: أحلى الأقدار


اشتريت كوبا من القهوة بدون سكر من أحد أكشاك القهوة التي ينطبق عليها المثل الشعبي "شريك الماء لا يخسر" ولكن صاحب الكشك أقسم لي أنه يخسر منذ فترة، وافترشت أول رصيف تعتليه شجرة وارفة، واخذت أستنشق القهوة مع ما اختلط من عوادم السيارات وضجيجها، وعلى الفور استحضرت قصيدة قارئة الفنجان التي كتبها نزار قباني، فقلت ماذا ستقرأ هذه السيدة في بقايا فنجاني الورقي لو خرجت الآن من القصيدة؟

وبدأت استذكر نبؤات نزار بدء من الطريق المسدود وانتهاء "بسيكبر حزنك حتى يصبح أشجارا" أعادني فنجان القهوة الورقي والحزن الذي أستظل به إلى الشارع مرة أخرى فقد كنت أعيش للحظات خارج الشارع وداخل النص الذي سرعان ما أعادني إلى حيث أنتمي.

وبينما كنت أعود تدريجيا إلى مساري لأستعد للهبوط إلى مدرجي  فاجأني رجل مغربي قائلا "بخت ... بخت ... أشوف البخت"
فقلت له : شوف، ولكنني لا أملك الكثير من النقود، فقال لي: أنا أعرف، فأنت لا تملك سوى أربعة سجاير ودينارين وما زلت تبحث عن قداحتك الخضراء التي نسيتها في كشك القهوة، أستغربت من هذا المبصر وشدني فأخرجت من جيبي دينارا وسيجارتين ومددتهم نحوه، أمسكهم على الفور وقال لي: قول إن شاء الله فقلت: إن شاء الله، فقال لي: الحرب في اليمن ستتوقف، وسوريا ستعود، وفلسطين ستتحرر، وستنتهي الأزمة في لبنان، وسيصلح حال العراق، أما في الأردن فأنا كمبصر فعلومي الشخصية وخبرتي لا تساعدني على استقراء المستقبل، أما على صعيدك الشخصي فستشفى من الالتهابات ولكنك ستصاب بأبي دغيم رغم تجاوزك عمر الطفولة أما فيما يتعلق بالأموال وسعة الرزق فلن تفرق معك كثيرا ولكن سيصبح بامكانك شراء علبة سجاير محلية، فقاطعته وقلت له: إذا أعدت لي ديناري وسيجارتي سأخبرك ما لم تستطع إخباري به، لأنني أجيد قراءة الطالع والنازل، وقراءة الكف  وأكله، فكر المغربي عدة لحظات وقال لي: أنا اكتفي بغنيمتي ولا أريد معرفة شيء عن المستقبل، عن إذنك اسمح لي بالذهاب لعلي أصادف زبونا ميسورا أكثر منك.

ذهب الرجل المغربي وأنا عدت لكوب القهوة المبرد لأحصي خسارتي، وقلت في نفسي آه كم يقتلنا الفضول والرغبة في اكتشاف المستقبل، فها أنا قد ضحيت بنصف ما أملك على أمل أن أسمع كلمة حلوة ترد لي الروح، وعندما حاولت أن أسترد نصف ثروتي من الرجل إكتشفت أن تجارة ببع الأمل للآخرين مهنة صعبة لا تتطلب مهارة من البائع بقدر ما تحتاج إلى اليأس وقلة الحيلة عند المشتري وكذلك عطارد وبلوتو، فاليوم لم تعد كلمات رئيسي في العمل تحفزني ولا تستجلب أمطار الخير  في نصفي الخالي، ولم تعد تصريحات الحكومة تختلف كثيرا عن تصريحات المبصر المغربي الذي أخبرني بكل شيء حولي ولم يخبرني أي شيء مما يخصني حتى أنه لم يعرف لون ولاعتي الزرقاء التي كنت ألعب بها أمام عينيه.

ونعود مرة أخرى إلى حياتنا وإلى قصيدة نزار قباني "وبرغم الحزن الساكن فينا ليل نهار
وبرغم الريح وبرغم الجو الماطر والإعصار
الحب سيبقى يا ولدي أحلى الأقدار".
نعم سيبقى الحب وسنلتقي بفتاح ومبصر آخر ذات يوم يجيد قراءة الواقع لعله يتعلم كيفية كتابة المستقبل.