لغة الهوى!

لغة الهوى!

إيناس أبوشهاب

 

" نقل فؤادك حيث شئت من الهوى... ما الحب إلا للحبيبِ الأول"

كان ذلك في زمن مضى... يوم كان الوفاء داء لا يصيب سوى العشاق، ونيرانه لا تفعل أفاعيل البنادق؛ وإنما كالبيارق، تعطي للطريق دوماً هَدْيَ السبيل. كان ذلك يوم كان الحمام ساعي بريد، يحمل رسائل مكتوبة فيها الكلمات بمداد الصدق، قبل أن يأتي الجوّال ويغتالها وهو يقرّب المسافات، بطريقة تقتل في الحب لهفته. واليوم، لو عاد الزمان بأبي تمام، لاعتذر للتاريخ، عن ذلك البيت الباذخ في مازوشيته.. المفرط في صدقه حد الكذب. غير أن السيف قد سبق العذل، وصار لأبو تمام ومذهبه تلامذة في هذا العصر.

وها هوذا أحدهم، يقول وقد خرج لتوه من قصة حب فاشلة " لقد فقدت المشاعر"، أو اخر يزايد عليه مدعيا " لن أحب مرة أخرى"، وثالث يعتقد أنه قد اختزل كل قصص الهوى في قصته، يقول" انتهى زمن الحب"، ورابع يحاول أن يدعي الحكمة بأثر رجعي، فيسقط في غياهب جلد الذات، حين يقول " قد يأتيك الشخص الجدير بحبك، بعد أن تكون قد استنزفت كل ما تملك مع شخص سابق لم يكن جديرا بحبك"، وأظن أن كل هذا هو محض ادعاءات قالها أصحابها في لحظة يأس وضعف، وربما في لحظة أنانية! قالوها كما لو كانوا يريدون أن يقولوا لا تهأنوا بحبكم بينما أنا غارق في حزني. لكأن خيباتهم السابقة علمتهم الاحتراس من حب يؤسس نفسه على كلمة " إلى الأبد". حب بعد أخر، مات وهمهم بحب حد الموت وحتى الموت. ولهذا راح أكثرهم يقسم بأغلظ الأيمان، بأنه لن يقع في شراك الحب مرة أخرى، حفاظا على ما تبقى من بقايا نبض في قلبٍ عزف لحن الهوى ذات يوم، فأطرب به أسماع الحبيب. ما كان يدري أنه بعزفه ذاك، كان يخلق في الآخر ساديّة من نوع غجري، تجعله يتلذذ في كل ما هو مؤلم ودامي. ولعل فريد الأطرش، في رائعته تلك " عش أنت إني مِت بعدك "، كان يعطي رخصة لكل ذلك. في الواقع، بائس هو..وبائسة هي.. من اعتنقوا مذهب أبي تمام، أو استمعوا بخشوع إلى ما صدح به الأطرش ذات يوم. خصوصا، بعد أن قال درويش، وهو فتى الحزن المدلل: " أحب أن أقع في الحب. وحين ينتهي، أدرك أنه لم يكن حبا، الحب لابد أن يعاش لا أن يتذكر" ذات يوم، سيأتيك الحب من حيث لا تتوقع.. وسيفتح لك أبوابا مشرعة لكي تدخل.فلا تتردد. سيوقظ فيك مشاعر ما كنت تعتقد بوجودها.. سيجعلك تعيد حساباتك في قناعاتك.. وسيبعث فيك حياة بعد زلازل كنت تعتقد أنها قد ردمت فيك كل ما هو جميل.

في ذلك اليوم، الذي عليك أن تهيء قلبك له جيداً، وقد بلغتَ سن التأمل، سيجتاحك احساس يبهج لياليك وأيامك. وستنتفي بسببه كل الادعاءات التي أشرنا إليها في مطلع حكايتنا.

ستفكر بعقلانية في المعنى الحقيقي للحب، وستشكك في صدق مشاعر حبك الأول، وستقتلع بقاياه من أحشائك، وتنتشل ما تبقى من رواسبه في بقاياك، وستضحك من الأشياء التي بكيت بسببها يوما. فالحب ليس للحبيب الأول؛ الحب الصادق لن ينتهي ما حييت، وسيجعلك تنجرف في بحر الهوى، وتجذف بذراعيك نحو العشق لتكتب قصائد ما أتت في أمهات الكتب من قبل.. وتبعثر حروف الحب دون حساب، تماما كما قال نزار" الحب العظيم هو الحب الذي لا يعرف الحساب؛ هو الحب الذي يلقي بنفسه في المحيط بدون طوق نجاة ".

يومذاك.. ستعرف وقبل "رحيل العمر"، بأنك في حكاياتك السابقة، ما كنت تطارد إلا "خيط دخان". أما القبس الذي يهديك إلى قصد السبيل.. فهو قصتك التي تعيشها اليوم، مع الذي أثبت أنه يستحق نبض قلبك أن يكون له وليس لسواه.//